عبد الوهاب الشعراني
490
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
إنما هو لدقة مدارك الصوفية عليهم لا غير ، فلا يلزم من الرد عليهم فساد قولهم في نفس الأمر كما قال الغزالي رضي اللّه عنه : كنا ننكر على القوم أمورا حتى وجدنا الحق معهم قال تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [ يونس : 39 ] وقال تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] ا ه . ومما يؤيد كلام الغزالي رحمه اللّه قول الإمام أبي القاسم الجنيد رحمه اللّه : كان عندي وقفة في قولهم يبلغ الذاكر في الذكر إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يحس ، إلى أن وجدنا الأمر كما قالوا ، فعلم أن النفوس لم تزل تحتج وتميل في العمل إلى ما عليه الأكثر بحكم التقليد ، وتقدم العمل به لكثرة العاملين به بخلاف ما عليه البعض ، فإنه كالطريق التي سالكها قليل فلا يجد السالك فيها من يستأنس به في العمل فتصير عنده وحشة فتأمل . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : يحكى عن سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه أنه كان يقول : لا يكمل الرجل عندنا حتى يعلم حكمة كل حرف تكرر في القرآن ، ويخرج منه سائر الأحكام الشرعية إذا شاء . وسمعته رضي اللّه عنه يقول : لا يبلغ العبد مقام الكمال حتى يكون إماما في التفسير والفقه والحديث ، ويسلك الطريق على يد شيخ عارف باللّه تعالى حتى يصير يعرف الطريق بالذوق لا بالوصف والسماع ، وهناك يدخل الحضرات المحمدية ويعرف أحكام الشريعة المطهرة ، ويميزها من سائر البدع لأن الكامل من شرطه أن لا يكون له حركة ولا سكون في ليل أو نهار إلا على الميزان الشرعي . وسمعته يقول أيضا : من شرط الكامل الاطلاع من طريق كشفه على جميع أقوال المجتهدين ، ويميز الرأي من أقوالهم ويعرف ما وافق الصواب في نفس الأمر من أقوالهم وما خالفه . وسمعته أيضا يقول : كان الأشياخ المتقدمون يقولون : لا يجوز لعبد أن يتصدر للطريق إلا إن علم من نفسه التقيد على الكتاب والسنة ، ويكون ظاهره محفوظا من سائر البدع ، وذلك لئلا يقع في شيء من البدع فيتبعه المريدون عليه فيضل في نفسه ويضل غيره ، ويكتب من أئمة الضلال وقد بسطنا الكلام على ذم الرأي في أوائل كتابنا « مختصر السنن الكبرى » للبيهقي رحمه اللّه فراجعه . وسمعت سيدي عليا النبتيتي رضي اللّه عنه يقول لفقيه : إياك يا ولدي أن تعمل برأي رأيته مخالفا لما صح في الأحاديث ، وتقول هذا مذهب إمامي ، فإن الأئمة كلهم قد تبرأوا من أقوالهم إذا خالفت صريح السنة ، وأنت مقلد لأحدهم بلا شك ، فما لك لا تقلدهم في هذا القول وتعمل بالدليل كما تقول بقول إمامك الاحتمال أن يكون له دليل لم تطلع أنت عليه ، وذلك حتى لا تعطل العمل بواحد منهما . ثم إن المراد بالرأي المذموم حيث أطلق في كلام أهل السنة أن لا يوافق قواعد الشريعة المطهرة ، وليس المراد به كل ما زاد على صريح السنة مطلقا ، حتى يشمل ما شهدت له قواعد الشريعة وأدلتها ، فإن ذلك لا يقول به