عبد الوهاب الشعراني
473
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد ذكرنا في عهود المشايخ في كتاب « البحر المورود » ، أن العهود أخذت علينا إذا مررنا على أتلال الذهب أو الفضة من غير مزاحم عليها في الدنيا ولا تبعة علينا بها في الآخرة أن لا نأخذ منها إلا قدر قوتنا ذلك اليوم ، أو قضاء ديننا ، وأنه إذا دخلت لنا بغلة محملة ذهبا إلى دارنا من مطلب مثلا لا نأخذ منها دينارا بل نخرجها بحملها ونغلق باب دارنا احتياطا لأنفسنا أن ينقص نعيمها في الآخرة ، وقد ذكرنا فيه أن الفقراء ما تميزوا عن غيرهم إلا بتركهم الدنيا اختيارا لا اضطرارا ، فإن التارك للدنيا اضطرارا هو والعوام سواء . فعلم أن من دسائس النفس على العبد أن توسوس له بالاهتمام بالدنيا والسعي لها وتقول له هذا سعي على العيال لا لنفسك والسعي على الغير من العيال مطلوب ، وإنما الذم لو سعيت لنفسك فيصير يسعى ويهتم ويجمع في حجة العيال وهو يدخر ذلك حتى صار عنده الألف دينار وعياله على ما هم عليه من الضيق ، لم يوسع عليهم شيئا ، وهذا العهد قد كثرت خيانته من غالب فقراء هذا الزمان ، حتى صاروا يسافرون من مصر إلى الروم في طلب الدنيا ولو أن بعض المريدين فعل ذلك لعيب عليه فكيف بالشيخ . وقد عرضوا على سيدي علي الخواص رحمه اللّه أن يجعلوا له مسموحا فأبى ، وقال هذا مال لا ينبغي أن يكون إلا لعسكر السلطان الذين يسافرون في التجاريد ، وأما الفقير الجالس منا في بيته أو في زاويته فلا ينبغي له أن يأخذ من ذلك درهما واحدا ، وكذلك عرضوا علي بحمد اللّه نحو أربعة آلاف دينار أوصى بها لي قاضي إسكندرية فرددتها احتياطا لنفسي من أكل مال القضاة والشبهات التي لم تقسم لي ، وخوفا عليها من ميلها إلى جميع الدنيا فالحمد للّه على ذلك . وقد سافر شخص من فقراء مصر المحروسة إلى بلاد الروم فاجتمع بإياش باشاه الوزير فقال له ما جاء بك إلى بلادنا فقال أطلب شيئا من مال السلطان يقوم بعيالي فقال له وما حرفتك ، فقال أدل الناس على اللّه تعالى فقال له أف عليك أيها الشيخ كيف تسافر في سن الشيخوخة من مصر إلى هنا تطلب الدنيا أما كان في مصر وقراها ما يكفيك مع أنك ترى ربك وهو يرزقك أنت وعيالك من حين ولدت إلى أن صارت لحيتك بيضاء لم يقطع بك يوما واحدا ، فإذا كنت وأنت في هذا السن لم تثق بضمان اللّه لرزقك ، ولم تطمئن نفسك إلى قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . فباللّه عليك أين معرفتك باللّه حتى تدل الناس عليه ، فما دري الشيخ ما يقول ورجع إلى مصر نادما هذه حكاية صاحب الواقعة لي بنفسه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول يجب على من تصدر للمشيخة والشفاعات عند الحكام أن لا يقبل منهم هدية ولا برا ولا حسنة ، ولو كان ذلك حلالا من أصله ، فإن من قبل من الولاة شيئا هان في أعينهم وردوا شفاعته لكونه صار معدودا من عيالهم فهو ولو كان معه سر لا يصلح له أن يؤثر فيمن يعوله ويطعمه ويكسوه ، ولا