عبد الوهاب الشعراني
47
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
عَذابٍ أَلِيمٍ [ الحج : 25 ] . وهذا خاص بالحرم المكي فهو مستثنى من حديث : « إنّ اللّه تعالى تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل » الحديث . وقد قالوا لابن عباس لما سكن الطائف لم لا تقيم بمكة ؟ فقال لا أقدر على حفظ خاطري من إرادة ظلمي للناس أو ظلمي لنفسي ، فكيف لو وقعت في الفعل ، فإن اللّه تعالى لم يتوعد أحدا على مجرد إرادته السوء دون الفعل له إلا بمكة ا ه . فقال الشخص يا سيدي التوبة عن المجاورة وحج ولم يجاور ، وقد أخبرني سيدي محمد بن عنان أن أولياء العصر حجوا مع سيدي أبي العباس الغمري نفعنا اللّه ببركاته ، وكانوا خمسة عشر وليا من مصر وقراها فقالوا له يا سيدي : دستوركم نجاور في مكة أو المدينة ؟ فقال : من قدر منكم على أدب مكة أو المدينة فليجاور ، فقالوا له وما أدب مكة ؟ فقال : أن يكون على صفات أهل حضرة اللّه من الأنبياء والأولياء والملائكة ولا يطرق سريرته قط شيء يكرهه اللّه مدة إقامته بها ، فكيف إذا فعل ما يكرهه اللّه فقالوا له وما أدب المدينة ؟ فقال : هو كأدب مكة ويزيد عليها أنه لا يخالف سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جميع أحواله حتى إنه يصغر عمامته ويتصدق بكل شيء دخل يده ولا يلقى في المدينة درسا إلا بما صرحت به الشريعة دون ما فيه رأي أو قياس أدبا معه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون لغيره كلام في حضرته إلا بمشاورته ، فإن كان من أهل الصفاء فليشاوره صلى اللّه عليه وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس ، ويفعل بما أشار به صلى اللّه عليه وسلم عليه بشرط أن يسمع لفظه صلى اللّه عليه وسلم صريحا يقظة ، كما كان عليه الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه قال وقد صححت منه صلى اللّه عليه وسلم عدة أحاديث قال بعض الحفاظ بضعفها ، فأخذت بقوله صلى اللّه عليه وسلم فيها ولم يبق عندي شك فيما قاله ، وصار ذلك عندي من شرعه الصحيح أعمل به وإن لم يطعني عليه العلماء بناء على قواعدهم ، فقال المشايخ كلهم : ما منا أحد يقدر على ما قلتم ورجعوا كلهم تلك السنة مع سيدي أبي العباس ، وكان من جملتهم سيدي محمد بن داود وسيدي محمد العدل ، وسيدي محمد أبو بكر الحديدي ، والشيخ علي بن الجمال ، والشيخ عبد القادر الدشطوطي . وأخبرني شيخي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري وكان حاجا معهم : أن سيدي عبد القادر الدشطوطي لم يدخل الحرم المدني وإنما ألقى خده على عتبة باب السلام من حين دخل الحج للزيارة حتى رحلوا وحملوه وهو مستغرق ، فما أفاق إلا في مرحلة أبيار علي رضي اللّه عنه . فتأمل يا أخي في أحوال أهل الأدب مع اللّه تعالى وأنبيائه في جلوسهم في المساجد أو الأسواق واقتد بهم وتقدم قبل هذا العهد باثني عشر عهدا زيادة على هذا فراجعها واللّه يتولى هداك . وقد روى مسلم مرفوعا : « أحبّ البلاد إلى اللّه تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى اللّه أسواقها » .