عبد الوهاب الشعراني

464

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وفي رواية له أيضا مرفوعا : « أعطيت أمّتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم قولهم عند المصيبة إنّا للّه وإنّا إليه راجعون » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب له من الأجر مثله يوم أصيب » . وروى الترمذي وحسنه وابن ماجة في « صحيحه » مرفوعا : « إذا مات ولد العبد فحمد اللّه واسترجع ، قال اللّه تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد » واللّه أعلم . قلت : وفي هذا الحديث استئناس لمن قال إن مساكن الجنة لا تخلق إلا بعد وجود المكلف وعمله بما أمره اللّه به وأن قوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] . المراد به أعدت لهم قبل دخولها وكذلك يؤيده حديث : « غراس الجنّة سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر » . ومن فعل كذا بنى اللّه له بيتا في الجنة ، وإن كان مذهب أهل السنة والجماعة غير ذلك ، وهو أنها بنيت وفرغ من بنائها كما هو مقرر في كتب العقائد واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في تغسيل الموتى : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا في تغسيل الموتى وتكفينهم وفي حفرهم القبور ، وإذا قالوا ما نعرف نغسل أو نكفن أو نحفر علمناهم كيفية ذلك على حسب ما ورد في السنة ، ونكتم على الميت ما نراه عليه من السوء . وهذا العهد ينبغي لكل مسلم أن يتعلمه مبادرة لاغتنام الأجر وتوفرة الغرامة للفلوس لا سيما الفقراء المجاورون في المساجد والزوايا ، فإنه إذا لم يكن أحد منهم يعرف يغسل ولا يكفن يصير الميت معوقا ، حتى يأتوا بشخص من موضع بعيد بأجرة أو بغير أجرة وربما تغيرت رائحة الميت بالتأخير ، ولو أن أحدا منهم تعلم كيفية ذلك لما حملوا منة رجل غريب . ثم الذي ينبغي لأغنياء المسلمين إذا مات في حارتهم فقير أن يكفنوه احتسابا لوجه اللّه تعالى ، ويقبح عليهم أن يردوا فقيرا وأن يروا فقراء يتحملون الدين لأجل كفن ذلك الفقير ، وكذلك ينبغي لشيخ الزاوية أو العالم الذي في الحارة أن يكفن ذلك الفقير من ماله الزائد على قوت يوم وليلة ولو أنه يبيع ثوبه أو عمامته المستغنى عنه ويقبح على شيخ الزاوية الذي يصطاد الدنيا بفقرائها أن يرى فقيرا عنده محتاجا إلى الكفن وهو يتلاهى عنه وعنده وعليه الثياب الفاخرة والمال ، وأف على لحيته ثم أف . وقد كان أخي العبد الصالح الشيخ عبد القادر شقيقي رحمه اللّه يغسل الموتى ببلاد الريف ويكفنهم من عنده على ذمة اللّه تعالى ، ويوفي ثمن ذلك للبزازين شيئا فشيئا إلى أن يوفي لهم الثمن ، وما قال لأهل ميت في بلدة قط هل عندكم كفن أم لا ؟ ويقول : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ [ الجاثية : 15 ] . لا لغيرها ، وكان إذا أحسن إليه أحد بشيء يقول