عبد الوهاب الشعراني
46
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
بمكة هنيئا لفلان ، أقام بمكة على خير واستراح من الدنيا ، فلما سافرت ورأيته بعين النصيحة وجدته على أسوأ حال ، منها أنني رأيته لا كسب له ، وإنما نفسه ناظرة لما في أيدي الخلق ، وكلما مال إلى أخذ شيء من أحد ولم يقسم له منه شيء يصير يهجوه في المجالس بالكلام المؤذي ، فإما أن تصير الناس يعطونه خوفا من لسانه ، وإما أن يعاديهم ويقاطعهم ، وو اللّه إن بعض الناس الذين يؤذيهم لو عرض عليه أعمال هذا الشخص طول عمره بمكة يوم القيامة أن تكون في مقابلة غيبة واحدة ، ما رضي بها في غيبته ، بتقدير أن الإخلاص وجد في تلك الأعمال ، وأما إذا دخلها رياء أو سمعة فهي حابطة من أصلها لم يقبلها اللّه تعالى ، فليس له أعمال يعطي منها أحدا حقه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول لشخص من العلماء أراد الحج : إياك يا أخي أن تجاور في مكة أو المدينة فتعجز عن القيام بأدائها ، فيصدق عليك المثل السائر حججت ومعك خرج زاد ، فرجعت وفوق ظهرك ألف خرج أوزار أي لأن تبعات كل شخص ممن تستغيبهم تجعل وحدها يوم القيامة ، فكأنها خرج وحدها ، فقال له يا سيدي اسمحوا لي بالمجاورة ، فقال لا أسمح لك إلا إن كنت تدخل على الشروط ، فقال له : وما الشروط فقال الشيخ : منها أنك لا تدخر قط فيها قوتا ولا دراهم مدة إقامتك بها ومنها أنك لا تأكل قط طعاما وحدك وأنت تعلم أن فيها أحدا جائعا في ليل أو نهار ، ومنها أن تلبس الهدوم الخليقات ولا تلبس شيئا قط من الثياب الفاخرة بل تبيعها وتنفقها على الفقراء الجياع ، ومنها أن لا تحن مدة إقامتك إلى رجوعك إلى بلدك أبدا ولا تشتاق إلى دار ولا إلى ولد ولا إلى وظيفة ، ولا إلى إخوان في غير مكة لأنك في حضرة اللّه الخاصة وهو لا يأخذ منك إلا قلبك ، وقلبك خرج من حضرته فبقيت في حضرته جسما بلا قلب فائيش في هذا طيب ؟ ومنها أن لا يطرقه مدة إقامته هلع ولا رائحة اتهام للحق تعالى من أمر رزقه ولا يخاف أن يضيعه أبدا ، لأن أهل حضرة اللّه تعالى لا يجوز لهم ذلك بل ربما مقت صاحب الاتهام وطرد من حضرة اللّه تعالى لسوء أدبه وضعف يقينه ، وهو يرى الحق تعالى يطعمه ويسقيه من حين كان في بطن أمه إلى أن شابت لحيته ، وهذا من أقبح ما يكون مع أن تلك الأرض تعطي ساكنها بالخاصية الهلع والاتهام للحق في أمر الرزق ، حتى لا يكاد يسلم من ذلك إلا أكابر الأولياء ، قال : ومن هنا كره الأكابر الإقامة بمكة ، ومنها أن لا يخطر في نفسه مدة إقامته هناك معصية أبدا ، ولو تعذر الوقوع من مثله فكيف بقريبة الوقوع ، ومن هنا سافر الأكابر من الأولياء بنسائهم وتكلفوا مؤنة حملهم لأجل ذلك . وكان الشعبي يقول : لأن أقيم في حمام أحب إلي من أن أقيم بمكة وكان يقول لأن أكون مؤذنا بخراسان أحب إلي من أن أقيم بمكة خوفا أن يخطر في نفسي إرادة ذنب ولو لم أفعله فيذيقني اللّه من عذاب أليم لقوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ