عبد الوهاب الشعراني
43
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى ابن ماجة والطبراني مرفوعا : « جنّبوا مساجدكم ، صبيانكم ومجانينكم ، وشراءكم وبيعكم ، وخصوماتكم ، ورفع أصواتكم ، وإقامة حدودكم ، وسلّ سيوفكم ، واتّخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها في الجمع » . ومعنى جمروها أي بخروها ، واللّه تعالى أعلم . [ المشي إلى المساجد : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نمشي إلى المساجد في الصلوات الخمس وغيرها لنصلي فيها لا سيما في العشاء والصبح في الليالي التي لا قمر فيها في وقت مشينا إليها ، ولا نذهب إلى المساجد بنور إلا لضرورة شرعية ، وذلك لكثرة فضل الجماعة في المسجد على غيره ، ولأن الناس يمشون يوم القيامة على الصراط وغيره في نور أعمالهم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : من مشى إلى المسجد في نور أظلم الوجود عليه على الصراط ، ومن مشى إليه في الظلام أضاء النور عليه جزاء على ما تحمله من مشقة المشي إليه في الظلام . واعلم يا أخي أن الشارع صلى اللّه عليه وسلم قد جعل خفة مشي العبد إلى المسجد علامة على صحة إيمانه وكماله ، وجعل ثقل المشي إليه علامة على ضعف إيمانه ونقصه ، ونفاقه كما سيأتي في الأحاديث . فانظر يا أخي في نفسك فإن وجدتها تستثقل المشي إلى المسجد فاحكم عليها بضعف إيمانها ونفاقها ، وتحتاج يا أخي إلى شيخ ناصح يسلك بك حتى يخلصك من بقايا النفاق والكسل ، فربما يكون الحاث لك على خفة مشيك إلى المسجد علة أخرى كجلوسك مع جماعة يتحدثون في أخبار الدنيا وولاتها ، ومن عزل وتولى ومن يصلح ومن لا يصلح ونحو ذلك ؛ فليمتحن الماشي إلى المسجد نفسه بما لو رحل منه ذلك الشخص الذي كان يتحدث هو وإياه أو مات ، فإن خف عليه المشي إلى المسجد فهو لأجل امتثال أمر اللّه تعالى وعلامة على إيمانه وإلا فالأمر بالعكس : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « صلاة الرّجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته أو سوقه خمسا وعشرين درجة ، وذلك أنّه إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ خرج إلى المسجد لا يخرجه إلّا الصّلاة لم يخط خطوة إلّا رفعت له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة » الحديث . وفي رواية للإمام أحمد وأبي يعلى وغيرهما : « كتب اللّه له بكلّ خطوة عشر حسنات » . وفي رواية للإمام أحمد بإسناد حسن مرفوعا : « من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة يمحو بها سيّئة وخطوة يكتب له بها حسنة ذاهبا وراجعا » . ورواه أيضا الطبراني وابن حبان في « صحيحه » ، وروى الطبراني بإسناد حسن