عبد الوهاب الشعراني

44

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى ليغمر الّذين يتخلّلون إلى المساجد في الظّلم بنور ساطع يوم القيامة » . وفي رواية له أيضا بإسناد حسن : « من مشى في ظلمة اللّيل إلى المسجد لقي اللّه عزّ وجلّ بنور يوم القيامة » . وروى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا : « من توضّأ في بيته فأحسن الوضوء ، ثمّ أتى المسجد فهو زائر اللّه وحقّ على المزور أن يكرم الزّائر » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « من خرج من بيته إلى الصّلاة فقال : اللّهمّ إني أسألك بحقّ السّائرين إليك ، وبحقّ ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النّار وأن تغفر لي ذنبي إنّه لا يغفر الذّنب إلّا أنت ، إلّا أقبل اللّه عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك » . قال الترمذي : والبطر الإدلاج في الأشر . قال الجوهري : البطر والأشر بمعنى واحد ، واللّه تعالى أعلم . [ إطالة الجلوس في المساجد : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نطيل الجلوس في المسجد ونخفف الجلوس في السوق ولكل منهما شروط فشروط الجالس في المسجد أن تكون حركاته وسكناته وخواطره كلها محمودة ، فإن لم تكن كذلك فمن الأدب تخفيف الجلوس لأنه ما دام في المسجد فهو جالس بين يدي اللّه تعالى شعر أو لم يشعر ، ومن لم يجالس الملوك بالأدب أسرع إليه العطب . وقد كان سيدي محمد الشويمي تلميذ سيدي مدين ، لا يتجرأ أحد أن يجالس سيدي مدينا بحضرته ، فكان كل من خطر بباله خاطر قبيح بين يدي سيدي مدين يقوم يضربه بالعصا ضربا مبرحا ، فإذا كانت هذه حضرة مخلوق وقد أقيم فيها هذا الميزان فكيف بالحق جل وعلا . قلت : وهذا الأمر قد غلب على غالب الناس المقيمين في المسجد من المجاورين والجالسين فيه ومن المترددين فيجلسون ويجرون قوافي الناس من العلماء والصالحين والولاة والقضاة والشهود والظلمة والتجار ويذكرونهم بالنقائص في حضرة اللّه تعالى عز وجل ، فمثل هؤلاء كالبهائم بل البهائم أحسن حالا منهم . ومن هنا كان سيدي علي الخواص رحمه اللّه لا يدخل المسجد إلا عند قول المؤذن حي على الصلاة ، فحينئذ يأتي المسجد فقيل له : ألا تأتي المسجد مرة قبل الوقت ؟ فقال : مثلنا لا يصلح لإطالة الجلوس في حضرة اللّه تعالى فنخاف أن نأتي لنربح فنخسر ، فينبغي لكل مؤمن مراعاة الأدب في المسجد ، فإنه بيت اللّه الخاص ولا يبادر قبل الوقت إلا إن