عبد الوهاب الشعراني
410
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يعتمد على اللّه ضرورة دون العمل وعملك غير بلا شك . فاسلك يا أخي على يد شيخ إن أردت العمل بهذا العهد والخلاص من كل سوء ، واللّه يتولى هداك . وروى ابن ماجة والترمذي وأبو داود مرفوعا : « ائتمروا بينكم بالمعروف وانهوا عن المنكر ، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متّبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ودع عنك العوامّ ، فإنّ من ورائكم أيّاما الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله » . زاد في رواية أبي داود : « قيل يا رسول اللّه أجر خمسين رجلا منّا أو منهم ؟ قال بل أجر خمسين منكم » . وروى مسلم والترمذي وابن ماجة مرفوعا : « العبادة في الهرج كهجرة إليّ » . قال الحافظ : والهرج هو الاختلاف والفتن ، وقد فسر في بعض الأحاديث بالقتل لأن الفتن والاختلاف من أسبابه فأقيم المسبب مقام السبب ، واللّه تعالى أعلم . [ المداومة على العمل الصالح : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نداوم على العمل ولو قل ، فإننا كل يوم في قرب من الأجل فاللائق بنا استغنام العمل لا تركه ، وهذا العهد يخل به كثير ممن يتعبد بنفسه من غير شيخ ، فيتعاطى أعمالا شاقة فتمل نفسه فيترك العمل آخر عمره جملة واحدة ، ولذلك تقول الناس : حبل العبادة طويل . وقد كان شخص من الناس اجتمع عليّ فجعلته يفتتح المجلس بالجماعة لما كان عليه من المواظبة على الأوراد والخيرات ، ثم بعد مدة سلبه اللّه تعالى ذلك الخير كله وصار كالفخارة الفارغة وزال ذلك البريق الذي كان على وجهه ، فإن كل من لا شيخ له إذا أكثر من العبادات فلا بد أن يمل منها ويذهب ميله إليها حتى لا يبقى له إليها داعية أو يعجب بها وهذا مكر من اللّه تعالى به بلا شك ، وقد مدح اللّه تعالى رجالا بقوله : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] . فكن يا أخي مع هؤلاء ، ولا تكن مع من مكر به من الناكثين لعهود أشياخهم ، فلعلك يدور فيك ماء الحياة ويخضرّ عودك فلا تملّ من العمل . وقد كان السلف الصالح رضي اللّه تعالى عنهم إذا دخل أحدهم في سن الأربعين سنة أقبل على عبادة ربه حتى لو قيل له غدا تموت لا يجد له زيادة على ذلك العمل الذي هو عليه رضي اللّه عنهم أجمعين . ويتعين العمل بهذا العهد على الدعاة إلى اللّه تعالى لأنه متى لم يكن الشيخ أكثر عملا من المريد لا يتم اقتداؤه به ، وإذا ترك الشيخ عبادة كان يفعلها اقتدى به المريد