عبد الوهاب الشعراني

411

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ضرورة ، ولذلك قام صلى اللّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه وكان أواخر عمره أكثر صلاته بالليل جالسا ولم يترك العمل ، ولذلك كان أتعب صلى اللّه عليه وسلم من بعده فما تورمت أقدام أحد بعده إلا نادرا ، فلا تجد يا أخي أتعب قلبا ممن يكون قدوة أبدا : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حصير وكان يحجره بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه ، فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال : « يا أيّها النّاس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإنّ اللّه تعالى لا يملّ حتّى تملّوا ، فإنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه تعالى ما دام وإن قلّ » . وفي رواية عنها : وكان آل محمد إذا عملوا عملا أثبتوه قالت : « وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيّ العمل أحبّ إلى اللّه تعالى ؟ قال : أدومه وإن قلّ » . وفي رواية عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « سدّدوا وقاربوا واعلموا أنّه لن يدخل أحدكم عمله الجنّة ، وإنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه تعالى أدومها وإن قلّ » . كل هذه الروايات في « الصحيحين » ، وفي رواية لمالك والبخاري أيضا : « إنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه تعالى الّذي يدوم عليه صاحبه » . وكانت عائشة إذا عملت عملا أثبتته يعني داومت عليه . وروى الترمذي مرفوعا : « أحبّ العمل إلى اللّه تعالى ما ديم عليه وإن قلّ » . وقيل لعائشة رضي اللّه عنها : هل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخص شيئا من الأيام ؟ قالت لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يستطيع ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستطيع ؟ ومعنى يحجره في الرواية الأولى : يتخذه حجرة ، وناحية فينفرد عليه فيها ، ومعنى يثوبون : يرجعون إليه ويجتمعون عنده . وروى ابن حبان في « صحيحه » عن أم سلمة قالت « ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته وهو جالس ، يعني في النوافل ، وكان أحب الأعمال إليه ما داوم عليه العبد ، وإن كان يسيرا » واللّه تعالى أعلم . [ محبة الفقر : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحب الفقر وقلة ذات اليد ، وكذلك نحب من كان بهذه الصفة أيضا من الفقراء والمساكين والمستضعفين ، ونحب مجالستهم عملا بقوله تعالى : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ [ الكهف : 28 ] . وذلك لأن رحمة اللّه تعالى لا تفارقهم فنحبهم ونحب مجالستهم لمحبة اللّه تعالى لهم ، وكذلك نحب الفقراء لما فيه من كثرة سؤالنا للحق وتوجهنا إليه لا لعلة أخرى . وإيضاح ذلك أن حاجة العبد تذكره باللّه تعالى وعدم حاجته تنسيه الحق قال تعالى : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : 6 - 7 ] وقال : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي