عبد الوهاب الشعراني
409
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يعرفون مراد الدور الذي قبلهم لقربهم منهم ، ولو أراد الذين بعدهم أن يعرفوا الواسطة التي قبلهم ويستقلوا بفهم كلام من قبلهم على وجهه لا يقدرون . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من شرط عبد اللّه الخاص أن يكون له مانع يمنعه عن دخول حضرته تعالى ، ومتى كان عنده مانع فهو عبد ذلك لا عبد المخصوص ا ه . وسمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول : كل مريد أمره شيخه برمي ما بيده من الدنيا فأبى فقد مكر به واستحق الطرد عن حضرة اللّه تعالى فلا يرجى له فلاح بعد ذلك أبدا فهنيئا لمن جعل خده أرضا لأستاذه يمشي عليه بنعله : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « يقول ربّكم عزّ وجلّ : يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك نورا وغنى ، وأملأ يديك رزقا . يا ابن آدم لا تباعد منّي أملأ قلبك فقرا وأملأ يديك شغلا » . وروى ابن ماجة والترمذي واللفظ له وقال حسن صحيح وابن حبان في « صحيحه » عن أبي هريرة قال : « تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ [ الشورى : 20 ] الآية ، ثمّ قال : يقول اللّه : يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنّى وأسدّ فقرك ، وإلّا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك » . وروى الإمام أحمد وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ما طلعت شمس قطّ إلّا بعث بجنبيها ملكان يسمعان أهل الأرض إلّا الثّقلين : يا أيّها النّاس هلمّوا إلى ربّكم ، فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا في العمل الصالح عند فساد الزمان من غير اعتماد عليه دون فضل اللّه تعالى ، ونأمرهم برؤية المنة للّه عليهم الذي أهلهم لتلك العبادة ولم يطردهم عن حضرته كما طرد غيرهم ، ونأمرهم بالرضا عن اللّه تعالى بالعمل القليل مثل ما يرضون عنه إذا قسم لهم رزقا قليلا بالنسبة للأغنياء والأمراء ، وأن يقولوا الحمد للّه الذي غلط الزمان في حقنا حتى أوقعنا له فيه عبادة في غير أوانها ، وذلك لكثرة تشعب الخواطر والهموم بوزن المغارم والمظالم مع قلة المكاسب وكثرة العيال وقلة البركة في الرزق كما يعرف ذلك من ألزم بما لم يلزمه ، وليس عند الفقراء المنقطعين في الزوايا علم ولا خبر من ذلك ، ولذلك أقام اللّه تعالى عليهم الميزان ولم يكتف منهم بالأعمال اليسيرة لعدم الشواغل وعدم الحرفة ، فلا ينبغي لأحد منهم أن يستكثر عملا أصلا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حتى يدخله حضرات القرب ويرى هناك من اعتمد على غير اللّه والغير يتبرأ منه ويتخلى عنه وهناك