عبد الوهاب الشعراني
408
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وتأمل قول الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه : « معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » ، فجعل الخيرية في أثر المعصية لا في عين المعصية ، فلا يصح إجماعا أن يفهم أحد عن القوم أنهم يقولون إن المعصية تقرب إلى اللّه تعالى أبدا ، فإن الحس يكذب هذا القائل ، فلو أراد العاصي أن يحصل له باللّه وصلة بوقوعه في المعصية لا يصح ذلك له أبدا ، بل يجد حبل الوصلة بشهوده تعالى أو شهود حضرته انقطع . وقد جاء شخص إلى الجنيد رضي اللّه عنه فقال : يا سيدي أنا صرت آتي المعاصي وأنا مشاهد للّه عز وجل من كونه خالقا لتلك المعصية ، فقال الجنيد : هذا تلبيس من الشيطان ولو حققت النظر لوجدت نفسك حال المعصية لا يصح لها مشاهدة الحق تعالى مطلقا ، ثم لو قدر أنك شاهدته تعالى لشهدته ساخطا عليك غير راض عنك ا ه ، وهو كلام نفيس . فاسلك يا أخي على يد شيخ يقطع علائقك أو يقلبها إلى خير كما قررنا إن أردت العمل بهذا العهد وإلا فمن لازمك كثرة العوائق عن ربك حتى تموت ، وقد عجز الأكابر فضلا عن مثلك أن يعرفوا طريق قطع علائقهم بأنفسهم من غير شيخ فلم يقدروا ، فلا يزال الشيخ يأمرك بإزالة العوائق واحدا بعد واحد حتى لا يبقى إلا واحد فيقول لك أزله وها أنت وحضرة ربك . وتحتاج يا أخي إلى طول زمان وصبر على مأمورات شيخك ، وغالب الناس يرجع من الطريق فلا يحصل من قطع العلائق على طائل . وإيضاح ذلك أن طريق السير في الطريق طريق غيب والمريد كالأعمى الذي يريد يسلك طريقا طول عمره ما سلكها ، والشيخ كالمسافر الذي سلكها في نور الشمس زمانا طويلا فعرف مهالكها كلها ، فهو بتقدير أنه يعمى أو يسير في ظلمة الليل يعرف المهالك والطرق المسدودة كدليل الحاج سواء ، فمن سلم للشيخ وانقاد له قطع تلك الطريق ونجا من العطب ، ومن لم يسلم للشيخ لا يعرف يمشي وربما وقع في مهلكة ، فلم يعرف يخرج منها حتى يموت ، ولولا أنها طريق غيب لا يقدر أحد على سلوكها وحده ما كان للدعاة إلى اللّه فائدة من أنبياء وأولياء وعلماء ، فلا بد من مزيد خصوصية ، فتأمل . فإن قال لنا قائل : الأعمال مقسومة لكل شخص فمن قسم له شيء فلا بد أن يفعله فلا نحتاج إلى آمر بذلك . قلنا : والآمر أيضا مقسوم فلا بد أن يقع ، فليس للشيخ مدخل في القسمة ، وإنما له مدخل في إصلاح العبادة وتعليم المريد كيفية فعلها على الوجه الشرعي بحيث يخلص من الآفات . وقد أجمع الأشياخ على أنه لو صح لعبد أن يأتي بالمأمورات على الوجه الذي أمره اللّه تعالى به من غير خلل لما احتاج أحد إلى شيخ ، لكن لم يصح لهم ذلك فاحتاجوا ضرورة إلى من يبين لهم مراد الحق فلذلك احتاج أتباع المجتهدين إلى المجتهدين ليبينوا لهم مراد الشارع ؛ فقلدوا الأتباع إلى من يبين لهم مراد المجتهدين ، وهكذا فكل أهل دور