عبد الوهاب الشعراني

405

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ولا شك أن كل من مات غريبا مات منكسر الخاطر ، وقد أخبر اللّه تعالى أنه عنده يعني باللطف والحنان ، ومن كان اللّه عنده كذلك فقد فاز فوزا عظيما : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى النسائي واللفظ له وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » : « إنّ رجلا مات بالمدينة ممّن ولد بها فصلّى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثمّ قال : يا ليته مات بغير مولده قالوا : ولم ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : إنّ الرّجل إذا مات بغير مولده قيس من مولده إلى منقطع أثره في الجنّة » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « موت غربة شهادة » . وفي حديث الطبراني الذي عدّد فيه الشهداء : « والغريق شهيد ، والغريب شهيد » واللّه تعالى أعلم . [ مبادرة المؤمن إلى التوبة عقب كل ذنب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نبادر بالتوبة عقب كل ذنب ، ولا نصرّ على ما فعلناه لحظة واحدة هروبا من سخط اللّه تعالى ، مع أن الإصرار أيضا معصية ثانية ، فإذا وقع بادرنا أيضا بالتوبة من الإصرار ، وهكذا القول في الإصرار على عدم التوبة من الإصرار أبدا ، فما من ذنب إلا وله دواء ، حتى لو أصر على ذنب سبعين سنة أو أكثر فندم واستغفر اللّه عن جميع الإصرار السابق كله انسحب الاستغفار عليه ، فإن التوبة تجبّ ما قبلها . قال العلماء : والتوبة عن الشرك مقطوع بها بنص القرآن فهي مقبولة بلا شك ، بخلاف معاصي أهل الإسلام فإنها كلها مظنونة القبول ، وذلك لأن المشرك كان في حجاب القطيعة الكلية فلاطفه الحق تعالى كما لاطف الشيخ الفاني وحمل عنه حكم الذنوب السالفة كلها إذا تاب وأحسن . وأما العاصي من أهل الإسلام فكان حكمه حكم الشاب القوي العاتي لضعف حجاب قطيعته فإنه مسلم موحد يشم رائحة الإسلام ، فكان من شأنه أن لا يقع في معصية اللّه تعالى . هذا ما ظهر لي الآن من الحكمة ومن فتح اللّه تعالى عليه بشيء أوضح مما قلناه فليلحقه بهذا الموضع . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : ما دامت شهوة الذنوب في القلب فلا فائدة في الطاعات ، لأن ظلمة شهوة المعصية تمنع دخول نور الطاعات إلى القلب ، والمدار على حصول النور في القلب حتى يصلح لمجالسة الرب ا ه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 218 ] . وروى مسلم والنسائي مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يبسط يده باللّيل ليتوب مسيء النّهار ، ويبسط يده بالنّهار ليتوب مسيء اللّيل حتّى تطلع الشّمس من مغربها » . وفي رواية لمسلم مرفوعا : « من تاب قبل أن تطلع الشّمس من مغربها تاب اللّه عليه » .