عبد الوهاب الشعراني

389

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

أخي أفضل الدين رضي اللّه تعالى عنه يقول : إنما أدخل إبليس على المتكلمين التأويل ليحرمهم ثواب كمال الإيمان بالغيب ، وذلك لأن اللّه تعالى ما كلفهم إلا أن يؤمنوا بعين ما نزل لا بما أولوه بعقولهم قال تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [ البقرة : 285 ] وقال تعالى : آمِنُوا بِما نَزَّلْنا [ النساء : 47 ] ا ه . وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتاب « فصوص اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر » وهو مجلد ضخم فراجعه ترى شيئا لم تجده في كتب أحد من المتكلمين وللّه الحمد وليس هذا من باب الدعوى وإنما هو حق ، وإيضاحه أن كل كلام خلقه اللّه ليس له مثل حقيقة من كل وجه إذ حقيقة المثلية أن لا يزيد أحد الكلامين على الآخر حرفا ولا معنى ، فلا بد من زيادة أحدهما أو نقصه عن الآخر فالمثلية موجودة في الذهن غير موجودة في نفس الأمر ، لمن عرف ما الأمر عليه فكل كلام ذكره الإنسان يصح أن يقول فيه هذا كلام لم يسبقنا إليه أحد فافهم واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « الإيمان بضع وستّون أو سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطّريق ، وأرفعها قول لا إله إلّا اللّه » . قال الحافظ : يقال أماط الشيء عن الطريق إذا نحاه عنها وأزاله منها . قال والمراد بالأذى كل ما يؤذي المار كالحجر والشوك والعظم والنجاسة ونحو ذلك . وروى مسلم وابن ماجة عن أبي بردة قال : قلت يا رسول اللّه علّمني شيئا أنتفع به قال : « اعزل الأذى عن طريق المسلمين » . وروى الشيخان في حديث طويل : « وتميط الأذى عن الطّريق صدقة » . وفي رواية لابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإنحاؤك القذر عن الطّريق صدقة » الحديث . وفي رواية لابن حبان في « صحيحه » والبيهقي : « وإماطتك الحجر والشّوك والعظم عن طريق النّاس صدقة » . وروى الطبراني والبخاري في كتاب « الأدب المفرد » عن معاوية قال كنت مع معقل بن يسار في بعض الطرقات ، فمررنا بأذى فأماطه أو نحاه عن الطريق ، فرأيت مثله فأخذته فنحيته فأخذ بيدي ، وقال يا أخي ما حملك على ما صنعت ؟ قلت يا عم رأيتك صنعت شيئا فصنعت مثله ؛ فقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة ، ومن تقبّلت منه حسنة دخل الجنّة » . وفي رواية للطبراني : « ومن كانت له حسنة دخل الجنّة » . قلت : وفي هذا الحديث بشارة عظيمة فإن ساحة كرم اللّه تعالى تتعاظم أن لا تقبل من مسلم حسنة واحدة ، فالحمد للّه رب العالمين .