عبد الوهاب الشعراني

388

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فنميط الأذى عنها بما أطلعنا اللّه تعالى عليه من طريق كشفنا للحقائق ، فيكتب لنا إن شاء اللّه نظير الثواب الذي ورد لمن أماط الأذى المحسوس كالحجر والشوك . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ لا أحد عنده أعلى منه معرفة باللّه عز وجل ليزيل الشبهة العارضة في عقائد أهل الأفكار من أكابر العلماء ، فضلا عن غيرهم . وقد وضعت في ذلك ميزانا نحو كراسة ، أزلت بها غالب الإشكالات التي في مذاهب الفرق الإسلامية ، كالجبرية والمعتزلة . ووضعت ميزانا أخرى تزيل الشبه التي تعرض للعبد في طريق المعرفة باللّه تعالى حاصلها أن اللّه تعالى لم يكلف عبدا بأن يعرف اللّه تعالى كما يعرف اللّه نفسه أبدا ، وإن للّه تعالى بنفسه علما اختص به لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، لأنهم لو علموه لساووه في العلم ، ولا قائل بذلك من جميع الملل فضلا عن دين الإسلام ، وذلك أنه تعالى لا يتحد مع عباده في حد ولا حقيقة ولا فصل ولا جنس . فرد يا أخي جميع ما ورد في الآيات والأخبار من التنزيه إلى مرتبة علمه تعالى بنفسه ورد جميع ما ورد في الآيات والأخبار من الصفات التي ظاهرها التشبيه إلى مرتبة علم خلقه تعالى به ، فما أحوج الناس إلى التأويل إلا ظنهم بأن اللّه تعالى كلفهم بتعقل مرتبة التنزيه التي لا يتعقلونها ، وإلا فلو علموا أنها خاصة به تعالى ما أولوا شيئا وكان يكفيهم الإيمان بأنه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . فعلم أن من رحمة اللّه تعالى بخلقه أنه تنزل لعقول خلقه بإضافة الصفات التي فيها رائحة التشبيه ليأخذوا منها المعاني ، ثم تذهب تلك الصفات التي كادوا أن يكيفوها بعقولهم كأنه حق ويبقى معهم العلم بالتنزيه الذي هو الأصل ، وإنما قلنا التي فيها رائحة التشبيه لأن التشبيه لا يلحق الحق تعالى أبدا كما لا يلحقه التكييف ، وذلك لأن التكييف لا يصح إلا لو وقف التجلي الإلهي للعقول والقلوب أكثر من التنزيه وذلك محال ، فجميع التجليات الإلهية كلمحة بارق ولا تقف للرائي حتى يكفيها ثم بتقدير وجود التكييف لأهل العقول فلا بد من جهلهم باللّه تعالى ، لأن تجليه دائما أبد الآبدين ودهر الداهرين ، فإن قدر أن الإنسان عرف ما مضى فلا يعرف ما يأتي . وأجمع العارفون أن الحق تعالى لا يتكرر له تجل في صفة أبدا . وأجمعوا على أنه تعالى خالق لجميع الوجود الكوني علوا وسفلا ، وأنه تعالى خالق غير مخلوق ، ومن كان خالقا غير مخلوق لا يعرف ، ومن شك في قولي هذا فليتعقل لنا شيء بعقله لم يخلقه اللّه تعالى لا محسوسا ولا معنويا مما تصوره القوة المصورة ، فإنه لا يقدر أبدا فكيف يصور اللّه تعالى ، فللحق تعالى أن يرد على أهل العقول جميع المعارف التي اكتسبوها بعقولهم ، ويقول لهم ما أحد منكم عرفني حق معرفتي . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي اللّه تعالى عنه يقول : من طلب معرفة اللّه تعالى من طريق الفكر دون الكشف فمن لازمه الشبه ولا يخرج عن ذلك إلا بالكشف . وسمعت