عبد الوهاب الشعراني
379
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
أنفسنا جهدنا ليرجع نظير ذلك علينا ، فإن من سعى في إطفاء نور أخيه أطفأ اللّه تعالى نوره ، وما رأيت على هذا القدم من أهل عصرنا هذا أشد عملا بهذا العهد من سيدي محمد الشناوي ، والشيخ عبد الحليم وأخي أبي العباس الحريثي ، فما يذكر عندهم أحد من أهل الخرقة إلا ويذكرون محاسنه ويربونه عند الناس ، وهذا العهد بحمد اللّه تعالى من خلقي مع الأمراء الواردين علي فلا أكاد أفتر عن ذكر محاسن غيري من مشايخ العصر عندهم لأصرفهم عني إلى غيري ، وذلك لأني لا أقبل لهم هدية ولا أحب بحمد اللّه ترددهم إلي ، وأرى جميع ما معي من الأعمال لا يجيء حق طريق ذلك الأمير إذا جاءني مرة واحدة ، ولو ترددت إليه ألف مرة لا أرى أنني كافأته على تلك المرة . وكان على ذلك سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى كان إذا بلغه أن أحدا من الأمراء عازم على زيارته يذهب هو إليه قبل أن يأتي الأمير إليه . وكان إذا ورد عليه أحد يطلب شفاعة عند أحد يقول له أنت من أي الحارات ؟ فيرسله إلى من يكون ساكنا في تلك الحارة من الفقراء ، ويقول ما نقدر نتعدى الأدب على الناس في حاراتهم ، وإن رأى عند ذلك الرجل قلة اعتقاد فيمن يكون من حارته من الفقراء حسن اعتقاده فيه ويقول مقصودي أن أكون مقيما عند فلان من جملة جماعته لتحصل لي بركته ، فيرجع ذلك الرجل وهو معتقد في شيخ حارته ويملأ عينه منه . فاسلك يا أخي على يد شيخ حتى يخرجك من حب الرياسة وتصير تحب الخفاء لنفسك والظهور لغيرك ؛ وهناك لا تصير تقدر تسمع غيبة في أحد من إخوانك ، وما دمت تحب الدنيا والظهور فمن لازمك محبة تنقيص إخوانك تصريحا وتعريضا ، فتكون ممقوتا بين العباد وتنصرم منك المشيخة وكلما ترقع ثوبها تخرقت من موضع آخر . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول لفقير رآه إذا ركب يجعل جماعته يمشون معه كالصغير الذي في زفة طهوره ، كيف تحب الظهور في هذه الدار وإبليس نفسه اختار الخفاء فيها وقال : لا أظهر في دار لعنني اللّه فيها فشئ زهد فيه إبليس وكرهه كيف تحبه أنت ، فقلت له : لنا مخالفة إبليس في كل شيء أحبه فإنه لا يحب إلا الشر ، فقال صحيح ، ولكن ذكرت ذلك توبيخا مثل ما نوبخ المسلم بالخلق الحسن الذي نراه في الكافر وإن لم يتدين هو به كما إذا رأينا الرهبان يزهدون في الدنيا وشهواتها ، فنقول نحن أحق بذلك منهم كما قال عمر رضي اللّه تعالى عنه لمن رآه يأكل الطيبات منهم منهمكا عليها . أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] الآية . مع أنها وردت في أهل الكتاب فافهم . وكان سيدي علي بن وفا يقول : يا مريد اللّه لا تحتفل بظهور شأنك احتفالا يؤدي إلى تفعلك واستجلاء ذكر الناس لك بذكر الكمالات ، فإنك إن رزقت ما طلبت لن تتمتع به إلا قليلا ، ثم اللّه أشد بأسا وأشد تنكيلا ، واسع في الخفاء جهدك حتى يقع الظهور لك