عبد الوهاب الشعراني

380

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

قهرا عليك صدقة من اللّه عليك : وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [ النساء : 45 ] . فاعلم ذلك واعمل عليه يذهب عنك الغل والحسد وسائر الأمراض الباطنة المتعلقة بالناس الحاملة لك على غيبتهم والحاملة على غيبتك ، واللّه يتولى هداك . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن مرفوعا : « من ذبّ عن عرض أخيه في الغيبة كان حقّا على اللّه أن يعتقه من النّار » . وفي رواية للترمذي مرفوعا : « من ردّ عن عرض أخيه ردّ اللّه عن وجهه النّار يوم القيامة » . زاد في رواية : « ثمّ تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم : 47 ] » . وفي رواية لأبي داود وغيره مرفوعا : « من حمى مؤمنا من منافق آذاه بعث اللّه له ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنّم » . وروى ابن أبي الدنيا مرفوعا : « من نصر أخاه المسلم بالغيبة نصره اللّه تعالى في الدّنيا والآخرة » . وروى أبو داود مرفوعا : « ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره اللّه في موطن يحبّ فيه نصرته » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ الترغيب في المواظبة على الجوع والإقلال من الأكل : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نواظب على الجوع حتى يكثر صمتنا عن الكلام فيما لم يأمرنا اللّه تعالى به ، فإن من لازم من شبع كثرة الكلام والأشر والبطر بخلاف الجيعان ، ومن شك في قولي هذا فليجرب بأن يجوع شخصا كثير الغناء وإنشاد القصائد يومين لا يطعمه شيئا ، ويقول له : غن لي شوية أو انبسط أنا وإياك في الحكايات المضحكة فإنه لا يجيبه إلى ذلك أبدا ، فمن طلب الصمت مع الشبع فقد طلب ما هو كالمحال ، وهذا أمر مشاهد وقد غلط فيه كثير من المتورعين بغير شيخ من الفقراء فترى أحدهم يشبع ويأكل كل ما يجده من الشهوات ، وربما كان من طعام الظلمة والمكاسين ويطلب الصمت وقلة الكلام وذلك لا يكون . وقد رأيت مرة من جعل على نفسه كل ما يتكلم بغيبة نصفا للفقراء عقوبة لنفسه ومع ذلك فما قدر على رد نفسه وصار يخرج في كل غيبة نصفا حتى زمق وترك الغرامة وصار يستغيب ، ولو أنه ظفر بأحد من أهل الطريق لدله على الدهليز الذي يدخل منه قلة الكلام والغيبة وذلك هو الجوع الذي لا يخلي له حيلا ولا قوة للكلام الشرعي فضلا عن العرفي فضلا عن الحرام وقد عدّ الأشياخ الصمت من أركان الطريق وأنشدوا : بيت الولاية قسّمت أركانه * ساداتنا فيه من الأبدال