عبد الوهاب الشعراني

378

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « كلّ سلامي من النّاس عليه صدقة كلّ يوم تطلع فيه الشّمس يعدل بين الاثنين صدقة ويعين الرّجل في دابّته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة » الحديث . ومعنى سلامي : أي عضو ، ومعنى يعدل بين الاثنين : أي يصلح بينهما بالعدل . وروى أبو داود والترمذي وابن حبان في « صحيحه » ، وقال الترمذي حسن صحيح مرفوع : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة ، قالوا بلى : قال إصلاح ذات البين ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » . قال الترمذي ويروى مرفوعا : « لا أقول تحلق الشّعر ولكن تحلق الدّين » . وروى أبو داود مرفوعا : « لا يكذب من يمشي بين اثنين ليصلح » . وفي رواية : « ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس فقال خيرا أو نمى خيرا » . قال المنذري رحمه اللّه : يقال نميت الحديث بتخفيف الميم إذا بلغته على وجه الإصلاح وبتشديدها إذا كان على وجه إفساد ذات البين . وروى الأصبهاني مرفوعا : « ما عمل شيء أفضل من الصّلاة وإصلاح ذات البين وخلق جائز بين المسلمين » . وروى البزار والطبراني : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي أيّوب : ألا أدلّك على تجارة ؟ قال بلى : قال صل بين النّاس إذا تفاسدوا وقرّب بينهم إذا تباعدوا » . وروى الأصبهاني وهو غريب جدا مرفوعا : « من أصلح بين النّاس أصلح اللّه تعالى أمره وأعطاه بكلّ كلمة تكلّم بها عتق رقبة ويرجع مغفورا له ما تقدّم من ذنبه » . وتقدم في عهود العفو عن الناس حديث : « أصلحوا بين النّاس فإنّ اللّه يصلح بين عباده في الآخرة » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب عن عرض الأخ المسلم : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرد عن عرض أخينا المسلم إذا استغابه أحد عندنا أو بلغنا ذلك عنه حسب الطاقة ، وهذا العهد قد صار غالب الناس يخل بالعمل به حتى بعض مشايخ العصر من العلماء والصلحاء فتراهم يسكتون على غيبة أخيهم وربما اشتفوا بذلك في نفوسهم ، وهذا من أقوى الأدلة على عدم فطامهم عن محبة الدنيا على يد شيخ ناصح ، فإن محب الدنيا يحب الانفراد فيها بالمقام ومحبة الصيت والشهرة بالكمال ويكره من يعلوه في ذلك فهو يتوهم بغيبة الناس لمن يعلوه أن الناس إذا نقصوه يزول اعتقادهم فيه ويعكفون على اعتقادهم له هو ، وغاب عنه أن من نوى شيئا أو فعله رجع عليه نظيره ، ولو أنه تشوش ممن استغاب أخاه المسلم لزاده اللّه تعالى رفعة على أقرانه كلهم ، لأن الحماية إنما هي من اللّه تعالى لا من الخلق . ( وقد أخذت علينا العهود من المشايخ ) أن نقوي نور إخواننا جهدنا ونطفىء نور