عبد الوهاب الشعراني

371

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وفي رواية له مرفوعا : « إنّ المؤمن إذا لقي المؤمن فسلّم عليه وأخذ بيده يصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشّجر » . وروى الترمذي مرفوعا : « إنّ من تمام التّحيّة الأخذ باليد » . وروى أبو داود : « أنّ رجلا سأل أبا ذرّ هل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال ما لقيته قطّ إلّا صافحني ، وأرسل إليّ ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنّه أرسل إليّ فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت تلك أجود وأجود » . وقد روى مالك معضلا وأسند من طرق ولكن فيها مقال مرفوعا : « تصافحوا يذهب الغلّ وتهادوا تحابّوا وتذهب الشّحناء » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في العزلة عن الناس ما أمكن : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا في العزلة عن الناس إذا لم يأمنوا على أنفسهم عند الاختلاط ، فإن أمنوا عليها فالمستحب الاختلاط على أصل قاعدة المسلمين في دينهم . وقد أجمع الأشياخ على أنه ليس للكمل الهروب من الناس لعدم الخوف عليهم من الاشتغال بالخلق عن اللّه تعالى ، وأما من خاف مع دعوى الكمال فدعواه الكمال زور وبهتان فهو إما شخص جلس بنفسه من غير فطام على يد شيخ ، وإما أن شيخه مفتر كذاب لا يصلح لأن يكون أستاذا كما هو الغالب في أهل هذا الزمان ، حين فقدت الأشياخ الذين آخرهم في مصر سيدي علي المرصفي رضي اللّه عنه ، فصار كل من سولت له نفسه أن يكون شيخا جمع له بعض ناس من العوام وجلسوا يذكرون اللّه تعالى صباحا ومساء بغير آداب الذكر المشهورة عند القوم وظن في نفسه أنه صار شيخا مثل المشايخ الماضين ، مع أنه لا يصلح أن يكون مريدا كما بسطنا الكلام على ذلك في رسالة قواعد الصوفية ، وهو كتاب من طالع فيه علم بأنه ما صنف في الطريق مثله وحكم على نفسه أنه لم يشم طريق الإرادة وقد رأيت كثيرا ممن أذن لهم أشياخهم بالتربية عادوا أشياخهم وهجروهم وادعوا أنهم أعلم بالطريق منهم فمقتوا ولم ينتج على يدهم أحد ، وكل ذلك لوقوع الإذن لهم من أشياخهم قبل خمود نار بشريتهم فكان اللوم على الأشياخ لا عليهم . وقد كان سيدي علي المرصفي عزيز الإذن في المشيخة إلا أن يأتيه إذن بذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرارا فلما مات انحل نظام الطريق في مصر وقراها ، وما ظهر بعده أحد حذا حذوه سوى الأخ الصالح سيدي أبي العباس الحريثي رحمه اللّه . وكان يحكى عن سيدي يوسف العجمي أنه لما أراد اللّه تعالى أن ينقله من بلاد العجم سمع قائلا يقول يا يوسف اذهب إلى مصر انفع الناس ، فقال شيطان ثم ناداه ثانيا فقال شيطان ، ثم ناداه ثالثا فقال شيطان ، فلما ناداه الرابعة قال اللهم إن كان هذا وارد حق من جهتك فاقلب لي هذا النهر لبنا حتى أغرف منه بقصعتي هذه ، فانقلب النهر لبنا وشرب