عبد الوهاب الشعراني
372
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
منه فعلم أنه وارد حق فلما دخل مصر وجد أخاه الشيخ حسن التستري سبقه إلى مصر ولكن لم يتصدر للمشيخة ، فقال له يوسف يا حسن : الطريق لواحد لأنها على الأخلاق الإلهية فإما أن أبرز وتكون وزيري وخادمي وإما أن تبرز وأكون وزيرك وخادمك ، فرد الشيخ حسن الأمر لسيدي يوسف فبرز وصار سيدي حسن يخدمه إلى أن مات ، فبرز سيدي حسن بعده بإذنه له في حياته فأظهر في الطريق العجائب والغرائب ونزلت له الملوك والأمراء فلم تزل الحسدة يلقون فيه إلى السلطان الكلام القبيح لينفروه عنه حتى امتنع من زيارته وأمر بسد باب زاويته عليه ، وكان الشيخ والفقراء غائبين في وليمة فلما رجعوا آخر النهار وجدوا باب الزاوية مسدودا ، فقال الشيخ من فعل هذا فقالوا الوزير ، فقال : ونحن نسد طبقات بدنه فعمي وطرش وخرس وانكتم من المخرجين فمات لوقته فبلغ السلطان ذلك وقالوا إن هذا الأمر ما كان إلا لمولانا السلطان والوزير حمله عنه فنزل السلطان ثانيا لزيارته واستغفر مما صدر منه واعتذر منه ، وكان اسمه السلطان شعبان ابن السلطان حسن ، هذه حكاية سيدي علي المرصفي رحمه اللّه : وأخبرني مرة بأن شيخه سيدي محمدا ابن أخت سيدي مدين كان عزيز الإذن فقال لي يا علي ابرز فقد جاءك الأمر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقبلت يده ، ولم أبرز خوفا أن يكون ذلك من مكر الأشياخ بالمريد كما وقع لغيري ومراد الشيخ أذن لك رسول اللّه أن تبرز للصحراء ونحوها بالإذن العام قال : فمكثت حتى جاءني الأمر من اللّه تعالى فبرزت حينئذ وجلست في بلدي مرصفة فبقيت نحو العشرة آلاف فقير ، فجاءني الشيخ عبد القادر الدشطوطي وقال يا علي قم اخرج سح في الأرض وخل هذا التقيد ، فقلت له اللائق بي ما أنا فيه واللائق بك ما أنت فيه فانصرف . وقال لي مرة : يا ولدي لا يصح الإذن لفقير من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى يقطع مائتي ألف مقام وسبعة وأربعين ألف مقام رضي اللّه تعالى عنه . فاسلك يا أخي على يد شيخ لتعرف الطريق ومحارسها ومهالكها وتصير إن اعتزلت تكون عزلتك بحق وإن خالطت تكون مخالطتك بحق . وإلا فمن لازمك الهوى وحظ النفس قربا أو بعدا لأنك إن قربت منهم كان لعلة دنيوية ، وإن بعدت منهم كان لسوء ظنك بهم وحب التميز عليهم كما هو مشاهد ، وأقل مراتب الشيخ إذا ظهر أن يكون أعبد من سائر مريديه وأعلم منهم وأزهد منهم وأورع منهم وأخوف من اللّه ، فلا تجد أتعب قلبا ولا بدنا من الشيخ إذا نصح في الطريق . وأما إذا غش نفسه وأتباعه فهو من حزب إبليس ، فإنه متى رأى المريد أنه أعلم أو أعبد من الشيخ عدم النفع به . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى مسلم عن عامر بن سعد قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبله ، فجاء ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ باللّه من شر هذا الراكب ، فنزل فقال له أنزلت في إبلك وتركت الناس يتنازعون الملك ، فضربه سعد في صدره فقال اسكت ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه تعالى يحبّ العبد التّقيّ النّقيّ الغنيّ الخفيّ » .