عبد الوهاب الشعراني
358
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
عليكم ، وكان أكثر ما يخرج لحوائج عجائز حارته حافيا ويقول الأصل في الأرض الطهارة ، وكان يخرج في الليلة المطيرة مشدود الوسط ويقول من له حاجة بنار أجيء بها من الفرن فيطوف على عجائز الحارة واحدا واحدا رضي اللّه عنه ، وقال للشيخ فخر الدين المقدسي والجوجري يوما حين قالوا له كيف تقدم شراء زيت حار أو مجيئك بالنار على تدريسنا العلم ؟ فقال لهما : المدار على إدخال السرور والمحتاج يحصل له بقضاء حاجته من السرور أكثر مما يحصل لكما بتعليمكما العلم هكذا حكى لي الحاج جلال الدين بزددار الجوالي ، وكان قد صحب الشيخ جلال الدين سنين كثيرة قال : ورأيته مرة يخبز لعجوز فقلت له في ذلك فقال قطعنا عمرنا في الاشتغال بالعلم والآفات فيه كثيرة قل من ينجو منها وما رؤي أحد من العلماء بعد موته ، فقال غفر لي بعلمي أبدا إلّا قليلا لما فيه من الآفات بخلاف مثل هذه الحوائج فربما يغفر لنا بها واللّه تعالى أعلم . وسمعت سيدي محمد بن عنان يقول : عندي أن النقيب الواقف في حوائج فقراء الزاوية أكثر أجرا من المقيمين العاكفين على القراءة والذكر والعبادة لأنه لولا سعيه عليهم لم يقدر أحد منهم على الجلوس لتلك العبادة بل كان يخرج يسعى على الرغيف قهرا عليه ا ه . وكان سيدي خضر الذي كفلني يتيما يخرجني في المطر ويعطيني جفنة ، ويقول املأها نارا من الفرن ودر على أهل الحارة وأعرض عليهم من له بها حاجة ثم يقول يا ولدي إنما أقصد بذلك أن اللّه تعالى يقيض لك من يخدمك عند العجز مجازاة على فعلك هذا ، ثم يقول لي : أما رأيت يا ولدي بعض الشيوخ العاجزين عليه الخليقات النظيفة وهو ضرير يقاد إلى المسجد لا يفوته صلاة في جماعة وهو مستغن عن سؤال الناس ؟ فأقول نعم ، فيقول : أما رأيت شيخا عليه قحف حافي مكشوف الرأس وما عليه من الصلاة أبدا إذا فاتت وهو دائر يسأل الناس جديدا نقرة فلا يعطونه ؟ فأقول نعم : فيقول هذا ضيع حقوق اللّه وحقوق عباده في صغره فضيعه اللّه في كبره وذاك وفي بحق اللّه وحق عباده في صغره فقيض اللّه تعالى له من يخدمه في كبره فلا تكاد ترى مخدوما قط في كبره إلا وقد خدم الناس في صغره ا ه . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ، ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدّنيا فرّج اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة » . وزاد الحافظ العبدري : « ومن مشى مع مظلوم حتّى يثبت له حقّه ثبّت اللّه قدميه على الصّراط يوم تزلّ الأقدام » . قال الحافظ المنذري : ولم أر هذه الزيادة في شيء من أصوله إنما رواها ابن أبي الدنيا والأصبهاني . وفي رواية لمسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم مرفوعا : « من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم