عبد الوهاب الشعراني
357
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى ابن أبي الدنيا والأصبهاني وأبو الشيخ مرفوعا : « تجافوا عن ذنب السّخيّ فإنّ اللّه تعالى آخذ بيده كلّما عثر » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في قضاء حوائج المسلمين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نقضي حوائج المسلمين وندخل عليهم السرور ، ولا نقبل على ذلك هدية منهم على قاعدة أن فعل الطاعات بالأصالة إنما هو للثواب الأخروي ، وما فاز بذلك إلا العارفون الذين يفعلون الأوامر الشرعية ، امتثالا لأمر اللّه دون الأجر الأخروي ، وأما غيرهم فهو بارك في رحله الثواب لا ينفك ، وقد جربنا أن كل من قبل عوضا على شفاعة شفعها عند حاكم فهو خارج عن الطريق ، ثم تنقطع الوصلة بينه وبين الحق فيرد الحاكم شفاعته ولا يصير له عندهم حرمة ، كما لا حرمة لأحد من أهل الدنيا عندهم بخلاف من هو قائم للّه تعالى . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : إذا جاء المشفوع له بهدية للشافع فليردها عليه ، فإن لم يقبلها وقال خرجت عنها للفقراء فليأخذها الشافع ويفرقها على الفقراء والمساكين لا سيما إن كان ظالما أو من أعوان الظلمة ، وهذا الورع قد صار اليوم قليلا في الفقراء فصار حكمهم حكم البزددار عند الظلمة يعمل لهم المصالح التي هي مفاسد . فاقض يا أخي حوائج المسلمين للّه تعالى وإن طلبت على ذلك أجرا فاطلبه من اللّه على سبيل إظهار الفاقة وإنه لا غنى لك عن فضله ، وإياك وقبول الهدية على ذلك لا سيما من النساء والفقراء من الدنيا . وقد رأيت مرة شخصا من مشايخ العصر يشفع عند الحكام بجعالة مثل الرسل عند الظلمة فدخلت امرأة عجوز حبس الوالي ولدها ، فقالت يا سيدي الشيخ اشفع لي في ولدي ، فقال لها ما معك للفقراء ؟ فقالت سبعة أنصاف وعثماني بعت بها غزلي اليوم ، فقال هذه ما تكفي فلا زال يشدد عليها حتى جاءته بربعة غزل أخرى فأخذها فأعطاها للنقيب وأخذ الفلوس لنفسه ، هذا أمر شهدته منه مع أنه بنى له مقصورة وجعل له سترا وتابوتا فكل ذلك لعدم الفطام على يد شيخ ناصح . وقد سمعت سيدي عليا المرصفي رحمه اللّه يقول عن هذا الرجل : لو أمكنني منع هذا الرجل من الجلوس بين الناس لفعلت لكونه جلس بنفسه من غير إذن من شيخ وعمل على عقول بعض الأمراء وتجاهى علينا ، وقد عمل على عقل أكابر الدولة حتى صاحبنا الأمير محيي الدين مع كونه من دهي العالم ولكن لما جمعته على سيدي علي الخواص قال له إن اجتمعت على ذلك الرجل فلا تعد تأتني أبدا فلم يجتمع به حتى مات . فاسلك يا أخي الطريق على يد شيخ ثم اجلس لقضاء حوائج الناس بعد الفطام واللّه يتولى هداك . وقد كان الشيخ جلال الدين المحلي شارح « المنهاج » رحمه اللّه يخدم جميع عجائز الحارة وشيوخها العاجزين ويشتري لهم الحوائج من السوق ، وربما سأله إنسان في حاجة فيترك التدريس ويقوم لحاجة ذلك السائل . وسألته عجوز مرة يشتري لها زيتا من السوق فقام من الدرس ، فقالوا له تترك الدرس لأجل عجوز ؟ فقال نعم حاجتها مقدمة