عبد الوهاب الشعراني

355

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الناس حتى العلماء ومشايخ الزوايا ، فاكتفوا بالتوسعة على أنفسهم في المطاعم والملابس والنكاح للمخدرات والسراري الحسان ، حتى إني رأيت بعض من يدعي الصلاح والفقر لا يركب الحمار بل الخيول المسوّمة ، ورأيته مرة احتاج للركوب في حاجة وغابت الفرس وعنده حمارة فلم يركبها ، وقال أستحي أن أمر في مصر على حمارة مع أنه متعمم بصوف وله عذبة وشعرة ، وهذا أمر ينافي طريق الفقراء من كل وجه . وقد سمعته مرة يقول : نحن بحمد اللّه الدنيا في يدنا لا في قلبنا ، فأرسلت له ضريرا معيلا يطلب منه شيئا من ملبوسه أو ثمن جبة أو صاعا من قمح فلم يعطه ، مع أن بيته أوسع من بيت أمير ، فقال له الضرير ، فأين قولك بحضرة فلان الدنيا في يدنا لا في قلبنا ، وهل ثم أحوج مني فإني أعمى معيل ، وتعرف أن أحدا ما بقي يعطي السائل شيئا فضلا عن كونه يرسل له شيئا بلا سؤال ، فرجع من عنده مكسور الخاطر ، وكان الأولى بذلك الشيخ أن يعطيه نفقة يومه أو قميصا من ثيابه التي تزيد على ثلاثين زيقا ، كما أخبرني بذلك خادمه . ودخلت مرة أنا وأخي الشيخ زين العابدين ابن الشيخ عبيد البلقسي نفعنا اللّه ببركاته على شيخ من مشايخ العصر فصار يرغبنا في الفقر وضيق اليد ويقول لنا الفقراء ما تميزوا عن الناس إلا بالزهد في الدنيا اختيارا ، فملنا إليه بالمحبة لحسن كلامه ، فجاءنا ولده يستشفع بنا عنده أن يزيد نفقته ، فقلنا له كم يعطيك كل يوم ، فقال عشرة أنصاف ، فقلنا له وهذا يكفي أكبر الفقراء ، فقال دخل والدي كل يوم ثلاثمائة نصف ينفق منها نحو خمسة عشر نصفا ويخزن الباقي ، فقلت له : قد يكون يا ولدي يتصدق به من غير علمك فقال : لو كان يتصدق ما كان في صندوقه نحو أربعين ألف دينار ، هذا لفظ ولده ، فإذا كان هذا حال مشايخ العصر الذين يقتدى بهم فكيف بالعوام ! وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من أراد أن يظهر بالمشيخة في هذا الزمان فليكن أول عامل بجميع ما يدعو إليه ، وإلا فهو فتنة على العباد ا ه . فلا أتعب قلبا ولا بدنا ولا أضيق معيشة من الفقراء الصادقين أبدا . وسمعته يقول : ليس السخي من ينفق ماله فيما نهاه اللّه عنه ، وإنما السخي من ينفق ماله في مرضاة اللّه . وسمعته يقول : إياك أن ترى مع فقير دنيا عريضة ولا تراه يؤدي زكاتها فتسيء الظن به فإن من الفقراء من يكون من أصحاب الخطوة فيخطو خطوة إلى بلاد الهند مثلا من مصر فيدفع زكاته إلى فقراء تلك البلاد ، كما كان يقع للشيخ محمد الشربيني رحمه اللّه . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق لا مثل هذا الشيخ الذي ذكرناه ، فإن من دعا إلى خير ولم يفعل كانت أفعاله مكذبة له وحاجبة للناس عن سماع مقاله ، فإذا سلك على يد شيخ بصدق وإخلاص فإنه يقربه إلى حضرة اللّه عز وجل وهناك يقوي يقينه باللّه وينفق كل ما دخل في يده بخلاف البعيد عن حضرته ، فإنه بالضد من ذلك فلا يكاد يعطي أحد شيئا لضعف يقينه : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ