عبد الوهاب الشعراني

316

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

بضعف الإيمان الضعف المذموم ، لأن صاحب هذا الحال قد ارتقى عن الإيمان خلف الحجاب إلى حضرة الشهود ، كالذي كان مؤمنا بشيء من وراء حائط من زجاج ثخينة لا يرى أحد ما وراءها ، فصارت ترق وتدق ، حتى صارت كالبلور تحكي ما وراءها ، فهذا معنى قوله : « أضعف الإيمان » وأما على ما يفهمه غالب الناس من أنه ينكر بقلبه فليس ذلك بتغيير للمنكر ، بل هو باق ، والشارع قد صرح بأنه يغيره بقلبه وليس التغيير إلى ما ذكرناه من كسر جرة الخمر مثلا فافهم هذا ، مع أنا نقول الإنكار بالقلب واجب على كل مسلم ا ه . وكان سيدي إبراهيم المتبولي يقول لأصحابه : إذا رأيتم منكرا فغيروه بقلوبكم ، لا سيما منكرات الولاة والظلمة وجند السلطان ، ولا تطلبوا تغييره باليد واللسان فيضركم ، ونزل الشيخ مرة هو والفقراء تحت شجرة جميز بنواحي المطرية خارج مصر المحروسة فجاء جماعة من مماليك السلطان فنزلوا وأخرجوا جرار الخمر والأقداح ، فقال بعض الفقراء يا سيدي نريد نكسر جرارهم فقال يضربوكم ، علو حمار ، ولكن إن كان لأحد منكم قلب فليتوجه إلى اللّه تعالى في كسر جرارهم ، واشتغالهم ببعضهم فتوجه منهم فقير فانكسرت جرار الخمر ، وظن كل واحد أن صاحبه كسر جرته ، فتضاربوا بالسلاح حتى تجرحوا وركبوا يشتكون بعضهم بعضا لأستاذهم ، فقال الشيخ هكذا فغيروا المنكر فإن مد اليد في هذه الدار ليس هو للفقير فإن مد يده قطعت ا ه . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : إني لأتعجب ممن يشتغل بإزالة منكرات الغير ولا يسعى في إزالة منكرات نفسه ، ويهجر الغير لأفعال نفسه الرديئة وإن كان واجبا ولكن اللّه تعالى ذم من ينسى نفسه ويشتغل بأمر الخلق في قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] . أي وهم أقرب الأشياء إليكم ، وقال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذاريات : 21 ] . وقد قالوا : تخلص من الغرق ثم اشتغل بأخذ يد غيرك مع وجوب عزمك لا حال غرقك أنك تأخذ بيد غيرك . وكذلك القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، اشتغل بأمر نفسك ونهيها وأنت عازم على أمر غيرك ونهيه وليس المحظور إلا أن تشتغل بنفسك وأنت عازم على أنك لا تأمر غيرك فأنت كمن خاف من أمره بمعروف أو نهيه عن منكر ثوران نفس المأمور أو المنهي وزيادته في المعصية ، فمن السياسة أن تترقب له وقتا آخر وأيضا فإن من كان جالسا يشرب الخمر فصار يقول لإنسان آخر يشرب حرام عليك لا يؤثر قوله في ذلك الشارب بل يضحك عليه ، ويقول له قل ذلك لنفسك وقد قال الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم وهذا العهد يخلّ به كثير من الناس لأجل عدم سلامتهم من المنكر ، فيخافون أن ينكروا منكرا فيقول الناس لهم انهوا أنتم أنفسكم عن كذا وكذا ، ولو أنهم سلموا من