عبد الوهاب الشعراني

317

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

المنكر لربما انقاد الناس لهم ، ومن هنا قالوا لا ينبغي لإنسان أن يعظ الناس إلا إن كان متعظا قبلهم ، فلا يأمرهم بترك الدنيا ويزاحم هو عليها ولا يأمرهم بالصدقة ويبخل هو ولا يأمرهم بقيام الليل وينام هو ، وقس على ذلك لأن رؤية الناس إلى أفعاله تحجبهم عن سماع مقاله ، ولا يخفى أن ذلك أكثري لا كلّي ، فلا يلزم من عدم انقياد الناس للواعظ أنه غير عامل بعلمه ، فإن الأنبياء عليهم السلام عاملون بعلمهم بالإجماع بعصمتهم ، ومع ذلك فما أطاعهم وانقاد لهم إلا القليل ، وإنما الانقياد وعدمه راجع للقبضتين ، والداعي جاء يميز بدعوته بين أهل كل قبضة لا غير ، وليس بيده سعادة ولا شقاوة ، قال اللّه تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [ الأنعام : 48 ] . وكذلك الحكم في كل داع إلى اللّه إلى يوم القيامة ، وقول الناس حصل لفلان خير ببركة سيدي الشيخ إنما هو أدب فقط مع ذلك الشخص ولو حققوا النظر لوجدوا ضرره أكثر من نفعه على مصطلح فهمهم فإن اتباعه في الخير قليل ومخالف ذلك كثير فقد أضربهم بإقامة الحجة عليهم عند اللّه تعالى ، ولم يبق لهم عذر ، ولو أنه لم يأمرهم ولم ينههم لربما قالوا : يا ربنا لم يأتنا نذير ، ومن هنا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي لما مدحوا أتباعه وكثرة نفعه : ضررنا أكثر من نفعنا والهالك من أتباعنا أكثر من الناجي لأننا نبين لهم فيخالفون فيهلكون ، ومؤاخذة الإنسان بعد البيان أشد من مؤاخذته من غير بيان ، فعلم أن الكامل من نظر ماله ليشكر اللّه وما عليه ليستغفر اللّه ، وإن كانت أدلة الشريعة تشهد بأنه ليس على الداعي إثم من حيث كونه كان سببا لمؤاخذة من خالفه ، وإنما ذلك من حيث إن ثم لنا مقاما رفيعا وأرفع فلا يقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فكيف يشرع لفاعله الاستغفار ؟ لأنا نقول قد قال اللّه تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) [ النصر : 1 ] يعني فتح مكة . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النصر : 2 - 3 ] . فأمره بالاستغفار من حيث إن ذلك الجهاد والاشتغال بهداية الأمة اشتغال بالخلق في الجملة ، فلما رقاه إلى الاشتغال بالحق دون الخلق استغفر من ذلك المقام ، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربّي » . أي غير الاشتغال به كما في حال الصلاة ، إذ لا يؤمر أحد فيها بأمر ولا نهي للغير . وقد بلغنا أن داود عليه السلام لما شرع في بناء بيت المقدس كان كلما بنى شيئا أصبح منهدما ، فقال : يا رب إني كلما بنيت بيتك يهدم ، فأوحى اللّه تعالى إليه : إن بيتي لا يقوم بناؤه على يد من سفك الدماء ، قال داود : أليس ذلك في سبيلك ، فقال تعالى : بلى ، ولكن أليسوا خلقي ؟ ا ه . ويؤيد ذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [ الأنفال : 61 ] . أي لأن في السلم والصلح عدم سفك الدماء ، فرجح