عبد الوهاب الشعراني

288

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ودخل على الشيخ شمس الدين الأبوصيري أحد أصحاب الشيخ أبي السعود الجارحي رحمه اللّه فأكل ولم يسم ، فقال طعام الأستاذين لا يحتاج إلى تسمية اللّه تعالى عليه لأنه بركة في نفسه ، فأقمت عليه الحجة في ذلك ، فرجع إلي رحمه اللّه فاعلم ذلك وكن متبعا للسنة في كل عمل سواء عقلت معناها أم لم تعقله . فإنه لا أكمل مما شرعه الحق تعالى على ألسنة رسله أبدا . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » عن عائشة رضي اللّه عنها : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يأكل طعاما في ستّة من أصحابه فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما إنّه لو سمّى اللّه لكفاكم » . وروى أبو داود وابن ماجة مرفوعا : « إذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم اللّه تعالى عليه ، فإن نسي في أوّله فليقل باسم اللّه في أوّله وآخره » . وروى الطبراني مرفوعا : « من سرّه أن لا يجد للشّيطان عنده طعاما ولا مقيلا ولا مبيتا فليسمّ إذا دخل بيته ويسمّ اللّه على طعامه » . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة مرفوعا : « إذا دخل الرّجل بيته فذكر اللّه تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشّيطان لا مبيت عندكم ولا عشاء ، وإذا دخل فلم يذكر اللّه تعالى عند دخوله قال الشّيطان أدركتم المبيت ، وإذا لم يذكر اللّه عند طعامه قال الشّيطان أدركتم العشاء » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ ترويض النفوس بآداب الصالحين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نروض نفوسنا بآداب الصالحين حتى لا يصير عندها شره عند أكلنا مع الجماعة وذلك حتى لا نسابق إلى لحمة أو رطبة تم نضجها أو إلى عسل أو سمن في نحو العصيدة ونحو ذلك ، فمن أكل من غير تقدم رياضة فمن لازمه غالبا شراهة النفس . وسمعت شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري يقول : لا ينبغي لأحد أن يأكل مع جماعة إلا إن كان يؤثرهم بأطايب الطعام ، فإن لم يعلم من نفسه القدرة على إيثارهم ، فمن الأدب أن يأكل وحده ، وتقدم في هذه العهود أن الفقراء في الزمن الماضي كانوا لا يأكلون مع والد ولا والدة ولا أستاذ ولا رجل كبير خوفا أن تسبق عين أحدهم إلى لقمة أو لحمة أو خوخة أو تفاحة أو رطبة ، فيأخذها فيأكلها وهو لا يشعر بسبق عين من ذكر إليها . وكان سيدي أبو الحسن الغمري لا يأكل مع أحد إلا لضرورة ويقول : ما آمن على نفسي أن تأكل من قدام رفيقها ، ولا أن تسابق إلى أطايب الطعام دون جارها ، لقلة حيائها