عبد الوهاب الشعراني
289
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
من اللّه تعالى أو من عباده . وقد أمرنا الشارع صلى اللّه عليه وسلم بالأكل مما يلينا لعلمه بشراهة نفوسنا من أصل الخلقة ، ولو أنها لم يكن عندها شره ما احتجنا إلى الأمر بالأكل مما يلينا ، واللّه تعالى أعلم . وروى أبو داود وابن ماجة عن عبد اللّه بن بسر قال : كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال ، فلما أصبحوا وسجدوا الضحى أتى بتلك القصعة وقد أثرد فيها فالتقوا عليها ، فلما كثروا جثا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال أعرابي ما هذه الجلسة ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبّارا عنيدا ثمّ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها » . والذروة : هي أعلاها ، وهي بكسر الذال المعجمة . وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من جانبيه ولا تأكلوا من وسطه » . ولفظ أبي داود : « ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أكل أحدكم طعاما لا يأكل من أعلى الصّحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإنّ البركة تنزل من أعلاه » واللّه تعالى أعلم . [ القناعة من الأدم بتغميس اللقمة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نقنع من الأدم بتغميس اللقمة بخل أو زيت ، لا سيما في هذا الزمان الذي صار فيه الدرهم الحلال أعز من الكبريت الأحمر ، وشيء يمدحه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يجوز لأحد أن يذمه ، وو اللّه إن سف التراب الآن لكثير علينا لقلة حيائنا من اللّه وكثرة غفلتنا عنه وقلة شكرنا له ، وعدم رضانا بما قسمه لنا ، وكل ذلك ينافي صفات العبودية ، ومن لم يقم بأوصاف العبيد فلا ينبغي له مطالبة سيده بالقيام به ، لأنه لا يستحق على سيده شيئا ولو كان عبدا له كما أشار إليه خبر : « فكم ممّن لا مطعم له ولا مأوى » . أي لا يطعمه الحق كما تختار نفسه ولا يؤويه كما تختار نفسه ، وإلا فهو تعالى يرزق الكافر فافهم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من طلب من الحق فوق الضرورة في هذه الدار فهو أعمى البصيرة ، وإذا كان لا يقدر على القيام بالشكر للّه على الضروريات فكيف يقدر على شكره على الشهوات . وسمعته مرة أخرى يقول : من رضي عن اللّه بالقليل من الدنيا رضي الحق منه بالقليل من العمل .