عبد الوهاب الشعراني
284
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وأدّ زكاة الجاه واعلم بأنّها * كمثل زكاة المال تمّ نصابها وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم * فخير تجارات الكريم اكتسابها ولا تمشين في منكب الأرض فاخرا * فعمّا قليل يحتويك ترابها ومن يذق الدّنيا فإنّي طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها فلم أرها إلّا غرورا وباطلا * كما لاح في ظهر الفلاة سرابها وما هي إلّا جيفة مستحيلة * عليها كلاب همّهنّ اجتذابها فإن تجتنبها عشت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابها فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها * مغلّقة الأبواب مرخيّ حجابها فلن تخرب الدّنيا بموت شرورها * ولكنّ موت الأكرمين خرابها انتهى كلام الشافعي رضي اللّه عنه . ولما بلغ الأربعين سنة رضي اللّه عنه أمسك العصا فقيل له : نراك تدمن إمساك العصا ولست بمحتاج إليها فقال لأذكر أني مسافر من هذه الدار وأنشد أيضا لما خرج من بغداد إلى مصر : ومتعب العيش مرتاح إلى بلد * والموت يطلبه في ذلك البلد وماش والمنايا فوق هامته * لو كان يعلم غيبا مات من كمد آماله فوق ظهر النّجم شامخة * والموت من بين رجليه على رصد من كان لم يعط علما في حياة غد * فما تفكّره في رزق بعد غد وأنشد أيضا لما خرج من بغداد أو من مكة إلى مصر : لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر * ومن دونها أرض المهامه والقفر فو اللّه ما أدري إلى الفوز والغنى * أساق إليها أم أساق إلى قبري ولما تمنى بعض الناس موته أنشد يقول : تمنّى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للّذي يبغي خلاف الّذي مضى * تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد وإنما ذكرت لك يا أخي هذه الأشعار لتعرف أن السلف الصالح كان الموت على بالهم لا يغفلون عنه ساعة ويحبون من يذكرهم بالموت سواء كان شيبا أو انحناء أو مرضا أو غير ذلك . واعلم أنه قد يكون للإنسان زوجة شابة وهو شائب فتكره منه الشيب فلينظر صاحب هذا الحال بين مفسدة إبقائه ومفسدة نتفه ، ويفعل ما هو الأحق ؟ وقد أخبرني سيدي علي الخواص رحمه اللّه أن عمره مائة سنة وشيء ، فقلت له :