عبد الوهاب الشعراني
277
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقال بعض العارفين إنما شرع لبس الحرير للنساء لاستمالة قلوب الرجال إليهن حال الوقاع ، فينبغي للمرأة الحاذقة لبسه قبيل الوقاع ومقدماته ثم تنزعه لوقته ، واللّه تعالى أعلم . [ ترك الترفع في اللباسي : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نترك الترفع في اللباس تواضعا واقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ولو كان معنا قناطير من الذهب ، فنجعل ذلك في مرضاة اللّه تعالى من الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحاويج وهذا العهد يخل به كثير من الفقراء فضلا عن العوام وربما خلف الواحد منهم نحو سبعين زيقا ثمن كل زيق ثلاثة ذهبا أو أكثر ، وقد رأيت من خلف سبعمائة زيق من العلماء . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : ينبغي التسليم لمن لبس الثياب الفاخرة من الأولياء ، كسيدي عبد القادر الجيلي ، وسيدي علي بن وفا ، وسيدي مدين وأضرابهم . وقد كان سيدي عبد القادر يلبس كل ذراع من الخام بدينار ، فاعترض عليه بعض الناس فقال : العبد إذا مات كفن مرة ، وأنا قدمت أكثر من مائة موتة في مخالفة نفسي ، فلي أن ألبس كل بدلة ثمن مائة كفن ا ه . ثم السر في ترك اللباس الرفيع أن النفس تميل إليه بالخاصية ، وتفرح به وكل شيء فرح به العبد من الدنيا حجبه عن دخول حضرة اللّه عز وجل كما تحجب المعصية ، فيريد الإنسان أن يجد قلبه حال لبس الرفيع الفاخر مثل حاله في حال لبسه الخلق القليل الثمن فلا يقدر ومن شك فليجرب ، وكذلك جربنا السجود على الأرض الطاهرة بلا حائل يجد الإنسان انفساحا وانشراحا وصلة باللّه عز وجل بخلاف الصلاة على بساط أو حصير ، ومدار كلام الشارع ونصحه لنا على عكوفنا في حضرة اللّه عز وجل ليعطي الخدمة للحق حقها ويتملى بشهوده تعالى ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم أشفق علينا من أنفسنا ، فضلا عن والدينا ، فما منعنا من فعل شيء إلا هو يبعدنا عن حضرة الحق تعالى ، وقد أخبرنا أن كل من تكبر قصمه اللّه . ثم لا يخفى عليك يا أخي أن التواضع حقيقة إنما هو في النفس لا في الثياب ، وربما يلبس الإنسان العباءة والخيش ، وعنده من الكبر ما ليس عند أهل اللباس الرفيع ؛ فليتفقد الإنسان نفسه عند لبس الخيش والخلق ، فربما يكون يرى نفسه بذلك على أصحاب اللباس الرفيع فيمقته اللّه ، وهو لا يشعر وما رقع السلف الصالح ثيابهم إلا لقلة الحلال في زمانهم بالنظر لمقامهم ، فإن التجار وغيرهم كل يوم في نقص من الورع ، فكان أحدهم إذا اشترى له ثوبا بدراهم حلال لا يجد مثلها بعد ذلك حتى يشتري قميصا كاملا ، فلما كانوا لا يعجبهم كل الحلال في زمانهم كانوا يرقعون كل شيء انخرق بشراميط الثياب التي اشتروها في الزمن الماضي التي هي أحل من دراهم زمانهم وقت الترقيع ، فعلم أن من جمع له شراميط من جوخ أو غيره والتدمها ، ثم خيطها مراعيا كل لون في صف كما يفعله بعض فقراء الأحمدية فهو مغرور ، وقد رأيت من اشترى قطعة جوخ ثم قطعها قطعا