عبد الوهاب الشعراني

278

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

بقدر جديد نقرة ، وذلك من أكبر رعونات النفوس مع ما فيه من إتلاف المال لغير غرض شرعي فافهم ، بخلاف مرقعات السلف فإن في لبسها فوائد ، منها كونه أحل ؛ ومنها عدم التفات النفس إليه بخلاف الجديد يصير كل وقت يلتفت إليه ، ومنها خفة المؤنة وعدم الركون إلى الإقامة في هذه الدار . وقد كان سيدي الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم بركة الرطل بمصر المحروسة ، إذا أعطوه جوخة نفيسة أو صوفا نفيسا يقطعه بالسكين حتى يصير شرائح شرائح ، ثم يخيطه بخيط دارج بمسلة ويلبسه ، فقلت له في ذلك ؟ فقال ديني أعز علي من الدنيا بأسرها ، وإني إذا لبست ذلك وهو جديد لا تخريق فيه تصير النفس تلتفت إليه كل قليل وتسارقني في النظر إليه ولو في الصلاة بخلاف ما إذا شرمطته . وإذا تعارض عندنا مفسدتان ارتكب الأخف منهما ولا شك أن إتلاف جميع مالي عندي دون ديني ا ه . ففتش يا أخي نفسك فيما تأكل وفيما تلبس ، فمن فتش لا يجد شيئا في هذا الزمان يشتري به جوخة نفيسة ولا شاشا نفيسا أبدا ، وربما كان ذلك الشاش الرفيع أو الجوخة البندقي التي على العالم أو الصالح من هدايا بعض الولاة أو ثمنها من وظائف لا يسد فيها لا بنفسه ولا بنائبه : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وقد تقدم في هذه العهود أن من آداب الفقراء كلما لبسوا ثوبا جديدا أو عمامة أو رداء في هذا الزمان أن يقول بتوجه تام : اللهم إن كان في هذا الثوب أو الرداء أو العمامة درهم من الحرام فاحمنا من لبسه أو سامحنا في لبسه ولا تؤاخذنا بذلك في الدنيا والآخرة ، واجعلها تقيم عندنا بقدر ما فيها من الحل ، فإنك عالم بالسرائر ، ومن حين عملت أنا بهذا العهد ما تقطع لي ثوب ، وقد عدّ أخي إبراهيم السند بسطي الثياب التي كسوتها للناس في مدة صحبته لي فوجدها سبعمائة زيق ، ما بين جوخ وصوف ومضربات وجبب وقمصان ، ومنها ما يقيم عندي يوما ، ومنها ما يقيم سنة وأقل وأكثر بقدر ما فيها من الحل في نفس الأمر الذي يعلمه اللّه تعالى ، فالحمد للّه رب العالمين . وروى الترمذي مرفوعا وقال حسن صحيح : « من ترك اللّباس تواضعا للّه وهو يقدر عليه دعاه اللّه يوم القيامة وهو على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من أيّ حلل الإيمان شاء يلبسها » . وروى أبو داود والبيهقي مرفوعا : « من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه قال الراوي أحسبه قال : تواضعا كساه اللّه حلّة الكرامة » . وروى أبو داود وابن حبان أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكروا الدنيا يوما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :