عبد الوهاب الشعراني
270
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
من الفقراء والعلماء والأمراء ومشايخ القرى وغيرهم ، وعلمه آداب الضيافة ، ومكافأة الناس على هداياهم ، وعدم ادخار شيء عن الضيف وعدم تكلفه له ، وأخبره بأن من تكلف للضيف سوف يهرب ولو على طول ، وأمره بإجلال جماعة والده وبمحبتهم والإحسان إليهم ، وإيثارهم على نفسه في المأكل والهدايا وغير ذلك ، وذلك ليعكفوا عليه بعد والده حتى يظهر له فضله ، ويحتاج الناس إليه في علم أو سلوك أو شفاعة ونحو ذلك . وأمره باكتساب الفضائل ليلا ونهارا والإيثار على نفسه ، وتحمل الأذى من جميع الخلق حتى يصير يهرب من الناس فيتبعونه ، فإن كل من احتاج إلى جلب الناس بالإحسان فمشيخته مفتعلة ، وإن رفعهم من جهة تصرموا من جهة أخرى ، وليس هذا من شأن الفقراء ، إنما ذلك من شأن أبناء الدنيا ، وقد خالف كثير من أبناء ما ذكرناهم وعادوا أصحاب والدهم ففر الناس منهم وأخربوا الزاوية ، ولو أنهم أجلوا أصحاب والدهم لكملوهم بالأدب الذي أخذوه عن والدهم . وبعضهم ادعى أنه رأى والده بعد موته في المنام ، وقال له : كل من كنت أحبه فابغضه فعمل بذلك ، فقلت له هذا إبليس ، فلم يعتقد صدق مقالتي وقال : رأيت والدي حقا ، فقلت : لو رأى شخص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال له : اكره أبا بكر وعمر وكل من كنت أحبه فابغضه هل يجوز له بغضهم ؟ فقال : لا ، فقلت : فكذلك في أصحاب الأولياء ، فرجع واستغفر اللّه تعالى وتاب وصالح جماعة والده فعمرت الزاوية ، فالحمد للّه رب العالمين . وقد جاءني الشيخ جلال الدين البكري بولده محمد وقال لي : ادع اللّه له أن يجعله كأخيه أبي الحسن ، فقلت له : يكفي واحد في البيت مرصد لإقراء الناس العلم ولكن ادعو له أن اللّه يعرفه مقادير الواردين على الزاوية فانقبض خاطره من ذلك . وبالجملة فالكمال في الشخص إنما يكون بمراعاة معرفة الشرع والعرف والعمل بهما والسلام . وروى الترمذي مرفوعا : « لأن يؤدّب الرّجل ولده خير له من أن يتصدّق بصاع » . وفي رواية له أيضا مرفوعا ومرسلا : « ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن » ومعنى نحل : أعطى ووهب . وروى ابن ماجة مرفوعا : « أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم » واللّه تعالى أعلم . [ ترويض النفوس في عدم الميل الطبيعي إلى أولادنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نروض نفوسنا في عدم الميل الطبيعي إلى أولادنا بحيث نعرف من أنفسنا أنها صارت لا تتأثر لو ماتوا في ساعة واحدة تقديما لمرضاة اللّه تعالى على مرضاة نفوسنا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق يسلك به حتى يخرجه عن محبة الدنيا وشهواتها ، وإلا فمن لازمه التأثر المصاحب للضجر على فراق ماله