عبد الوهاب الشعراني

27

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ إكرام المساجد : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكرم المساجد ولا نقضي الحاجة قريبا من أبوابها في غير الأمكنة المعدة لذلك تعظيما وإجلا لا للّه تعالى ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس الذين حوانيتهم قريبة من أبواب المساجد فيتكلفون دخول المسجد إن كانت مطهرته يدخل إلى مجازها منه لأجل خلع نعالهم إذا دخلوا المسجد أو لكونها دورة عليهم ، ونحو ذلك ؛ وهذا الفعل من أقبح ما يكون ، وليتأمل أحدهم إذا أراد أن يدخل قصر السلطان لا يقدر يبول قط على باب قصره هيبة للسلطان وخوفا من خدامه ، فاللّه تعالى أحق بذلك . وسيأتي زيادة على ذلك في العهد الثالث عشر بعد هذا فراجعه . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه إذا أراد أن يدخل المسجد يتطهر خارجه أو في بيته ، ولا يدخل قط محدثا ليتوضأ في الميضأة التي هي داخل المسجد خوفا أن يدخل محدثا ، وكان إذا دخل المسجد يصير يرتعد من الهيبة حتى يقضي الصلاة فيخرج مسرعا ويقول الحمد للّه الذي أطلعنا من المسجد على سلامة . فقلت له : أنتم بحمد اللّه في حضور مع اللّه تعالى داخل المسجد وخارجه . فقال : يا ولدي قد طلب الحق تعالى منا في المسجد آدابا لم يطلبها منا خارجه وانظر إلى نهيه صلى اللّه عليه وسلم الجالس في المسجد عن تشبيك الأصابع وعن تقليب الحصى ونحو ذلك تعرف ما قلنا ، فإن الشارع صلى اللّه عليه وسلم لم ينهنا عن ذلك في غير المسجد . ورأى رضي اللّه عنه مرة شخصا من الفقراء يمشي بتاسومة طاهرة في صحن المسجد فزجره ونهاه عن ذلك ، وقال تورع في اللقمة أحوط لك . وقام له شخص مرة في المسجد فزجره زجرا شديدا وقال : إن العبد إذا عظم في حضرة اللّه تعالى ذاب كما يذوب الرصاص حياء من اللّه تعالى أن يشاركه في صورة التعظيم والكبرياء . وكان إذا جاء إلى المسجد لا يتجرأ أن يدخل وحده ، بل يصبر على الباب حتى يأتي أحد فيدخل وراءه تبعا له ويقول : المسجد حضرة اللّه تعالى ولا يبدأ بالجلوس بين يدي اللّه تعالى قبل الناس إلا المقربون الذين لا خطيئة عليهم ، ولا تدنست جوارحهم قط بمعصية أو وقعوا وتابوا منها توبة نصوحا ، كالأولياء الذين سبقت لهم العناية الربانية بالولاية الكبرى في عدم العدم ، وعلموا بالكشف الصحيح أن اللّه تعالى قبل توبتهم وبدل سيئاتهم حسنات ، بحيث لم يبق عندهم سيئة يستحضرونها ، ومتى استحضروها فليعلموا أن توبتهم معلولة لكونها لم تبدل سيئاتهم حسنات ، إذ لو بدلت لم يبق لها صورة في الوجود ولا في ذهنهم ولا في الخارج . قال : ولست أنا من أحد هذين الرجلين فما لي وللدخول قبل الناس ا ه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . روى أبو داود عن مكحول مرسلا قال : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبال بأبواب المساجد » واللّه تعالى أعلم .