عبد الوهاب الشعراني
28
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ إسباغ الوضوء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نسبغ الوضوء صيفا وشتاء امتثالا لأمر اللّه ، واغتناما للأجر الوارد في ذلك في الشتاء ، ولأنه ربما استلذت الأعضاء بالماء البارد في الصيف فيبالغ المتوضىء في الإسباغ لحظ نفسه ، فينبغي أن يتنبه المتوضىء لمثل ذلك ويسبغ امتثالا للأمر لا لاستلذاذ الأعضاء بالماء ، وهذا سر أمر الشارع لنا بالوضوء ليقول العبد لنفسه إذا استلذ بالماء في الصيف وادعت أنها مخلصة في ذلك إنما هذا لحظ نفسك بدليل نفرتك من إسباغ الوضوء في الشتاء ، فلو كان إسباغك الوضوء في الصيف امتثالا لأمر اللّه لكنت تسبغين ذلك في الشتاء من باب أولى ، لأنه وعدك بالأجر عليه أكثر ، وهذا الأمر يجري مع العبد في أكثر المأمورات الشرعية فيفعلها العبد بحكم العادة مع غفلته عن امتثال الأمر وعن شهود الشارع ، فيفوته معظم الغرض الذي شرعت تلك الطاعة له وهو الفوز بمجالسة الشارع في امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ ناصح يرشده إلى تخليص العمل للّه من حظ النفس : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وفي بعض طرق حديث جبريل في سؤاله عن الإيمان والإسلام في غير طرق « الصحيحين » : « وأن تغتسل من الجنابة وتتمّ الوضوء » الحديث . ورواه ابن خزيمة في « صحيحه » بهذا السياق . وروى الشيخان مرفوعا : « إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل » . قال الحافظ عبد العظيم المنذري : وقد قيل إن قوله « فمن استطاع » الخ ليس من كلام النبوة وإنما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه ذكره غير واحد من الحفاظ . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « إنّ الحلية تبلغ من المؤمن مواضع الطّهور » . وفي رواية : « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » . والحلية : هو ما يتحلى به أهل الجنة من الأساور ونحوها ، وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه إذا توضأ مديده حتى تبلغ إبطه . وروى ابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » أنهم قالوا : « يا رسول اللّه : كيف تعرف أمّتك ممّن لم يرك ؟ قال : « إنّهم يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين بلقا من آثار الوضوء » . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن في المبايعات : « أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه كيف تعرف أمّتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمّتك ؟ قال : « هم غرّ محجّلون من آثار الوضوء ليس ذلك لأحد غيرهم » ، قال : « وأعرفهم أنّهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وتسعى بين أيديهم أنوارهم » » . وروى مسلم ومالك مرفوعا : « إذا توضّأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج