عبد الوهاب الشعراني
24
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
بعضهم يقول لما لمته على عدم التردد للعلماء ، واللّه لو علمت أن أحدا في مصر عنده علم زائد على ما عندي لخدمت نعاله ، ولكن بحمد اللّه تعالى قد أعطانا اللّه تعالى من العلم ما أغنانا به عن الناس ، وهذا كله جهل بنص الشارع كما سيأتي في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال إنّي عالم فهو جاهل » . وفي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام كفاية لكل معتبر . فاجتمع يا أخي في كل قليل على العلماء واغتنم فوائدهم ، ولا تكن من الغافلين عنهم فتحرم بركة أهل عصرك كلهم لكونك رأيت نفسك أعلى منهم أو مساويا لهم ، فإن الإمدادات الإلهية من علم أو غيره حكمها حكم الماء ، والماء لا يجري إلا في السفليات ، فمن رأى نفسه أعلى من أقرانه لم يصعد له منهم مدد ، ومن رأى نفسه مساويا لهم فمددهم واقف عنه كالحوضين المتساويين ، فما بقي الخير كله إلا في شهود العبد أنه دون كل جليس من المسلمين لينحدر له المدد منهم كما أوضحنا ذلك في أول عهود المشايخ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى الطبراني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما مرفوعا : « إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا قالوا يا رسول اللّه ، وما رياض الجنّة ، قال : مجالس العلم » . قال وفي سنده راو لم يسم . وفي رواية له أيضا عن أبي أمامة مرفوعا أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام الحكماء ، فإن اللّه تعالى ليحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر . قال الحافظ العبدري : ولعل هذا الحديث موقوف . وروى أبو يعلى ورواته رواة الصحيح إلا واحدا عن ابن عباس قال : « قيل يا رسول اللّه أيّ جلسائنا خير : قال : من ذكّركم اللّه رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكّركم بالآخرة علمه » واللّه تعالى أعلم . [ إكرام العلماء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكرم العلماء ونجلهم ونوقرهم ولا نرى لنا قدرة على مكافأتهم ولو أعطيناهم جميع ما نملك ، أو خدمناهم العمر كله ، وهذا العهد قد أخل به غالب طلبة العلم والمريدين في طريق الصوفية الآن ، حتى لا نكاد نرى أحدا منهم يقوم بواجب حق معلمه ، وهذا داء عظيم في الدين مؤذن باستهانة العلم وبأمر من أمرنا بإجلال العلماء صلى اللّه عليه وسلم ، فصار أحدهم يفخر على شيخه حتى صار شيخه يداهنه ويمالقه حتى يسكت عنه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وقد بلغنا عن الإمام النووي أنه دعاه يوما شيخه الكمال الأربلي ليأكل معه ، فقال : يا سيدي اعفني من ذلك . فإن لي عذرا شرعيا فتركه ، فسأله بعض إخوانه ما ذلك العذر ؟ فقال أخاف أن تسبق عين