عبد الوهاب الشعراني
215
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت باللّه ورسله فإنّ ذلك يذهب عنه » . وروى الترمذي في « صحيحه » وابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مرفوعا في حديث طويل : « وآمركم بذكر اللّه كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدوّ سراعا في أثره حتّى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشّيطان إلّا بذكر اللّه » . وروى مسلم : « أنّ عثمان بن أبي العاص أتى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إنّ الشّيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبّسها عليّ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوّذ باللّه منه واتفل عن يسارك ثلاثا ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه اللّه عنّي » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في الاستغفار ليلا ونهارا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكثر من الاستغفار ليلا ونهارا سواء استحضرنا ذنوبنا أو لم نستحضرها ، وهذا العهد يخل به كثير من المتصوفة الذين لم يفطموا على يد شيخ ، فيزين الشيطان لهم أنهم صاروا موحدين ، لا فعل لهم مع اللّه تعالى فلا يكاد أحدهم يستحضر له ذنبا يستغفر اللّه منه ، وربما قال في نفسه بعيد أن مثلي يعذبه اللّه ، ولو كشف اللّه عن بصيرته كما كشف للعارفين لرأى أنه قد استحق الخسف به في الدنيا ودخول النار في العقبى ، إذ العبد سداه ولحمته ذنوب وكم وقع العبد في ذنب ونسيه وسيبدو له ذلك يوم القيامة ، فأكثر يا أخي من الاستغفار . وقد كان سيدي علي الخواص يتفقد أعضاءه من رأسه إلى قدمه كل يوم صباحا ومساء ويتوب إلى اللّه تعالى من جناية كل عضو ذلك اليوم أو تلك الليلة لا سيما الأذن والعين واللسان والقلب ، ويقول إن الاستغفار يطفئ غضب الجبار ، ومن قال أستغفر اللّه لم يبق عليه ذنب إن شاء اللّه تعالى ، لا سيما إن أشرف الإنسان على معترك المنايا وضاق عمره عن العمل الصالح فإن هذا ما بقي له شيء أنفع من الاستغفار . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : ما توقف عن أحد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا من تركه الاستغفار قال تعالى : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الآية [ هود : 3 ] . وقال تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) [ نوح : 10 - 12 ] . فعلم أنه ما لمن عزل عن وظيفته أو حبس على جريمته أو دينه أنفع من كثرة الاستغفار وذلك أن العزل والحبس خزي للعبد بين الناس ونكال ، فإذا أرضى ربه بالاعتراف والاستغفار ورضي عنه ربه أخرجه لوقته من السجن فإن استغفر ولم يطلقه الحق تعالى فهو دليل على أن الحق تعالى لم يقبل توبته وأن عنده بقية تجبر أو ميل إلى معصية .