عبد الوهاب الشعراني
20
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وخشوع أتم وأكمل . وقد كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقسم الليل ثلاثة أجزاء ، جزءا ينام فيه ، وجزءا يطالع الحديث ويستنبط وجزءا يتهجد فيه . وكان يقول : لولا مذاكرة الإخوان في العلم والتهجد في الليل ما أحببت البقاء في هذه الدار ، فعلم أنه لا ينبغي لطالب العلم أن يكب على مطالعة العلم ليلا ونهارا إلا إذا صلحت النية فيه ، ولم يقم أحد مقامه في بلده أو إقليمه فإن دخل نيته حب رياسة أو طلب دنيا أو قام أحد مقامه في نشر العلم فالاشتغال بكل ما صلحت فيه النية من الطاعات أولى ، وسيأتي في العهود قريبا أن من جملة العمل بالعلم توبة العبد واستغفاره إذا وقع في معصية ، فإنه لولا العلم ما عرف أنها معصية ، ولا تاب منها فتأمل . وقد قال داود الطائي رحمه اللّه تعالى : طالب العلم كالمحارب فإذا أفنى عمره في تعليم كيفية القتال فمتى يقاتل ؟ فمن عقل العاقل أنه كلما رأى نفسه عملت بكل ما علم واحتاجت للعلم أن يقدمه على سائر الطاعات التي لم يأمره الشارع بتقديمها عليه ، وكلما رأى نفسه مستغنية عن العلم وعلمها زائد على حاجتها أن يقدم غيره عليه كما كان عليه السلف الصالح فلا بد لكل إنسان من العلم والعمل والاشتغال بواحد منهما دون الآخر نقص . واعلم أن جميع ما ورد في فضل العلم وتعليمه إنما هو في حق المحصلين في ذلك فلا تغالط في ذلك فإن الناقد بصير . وقد وقع لنا مع المجادلين نزاع كثير في ذلك ، فإنا نراهم متكالبين على الدنيا ليلا ونهارا مع دعواهم العلم وتعظيمهم نفوسهم بالعلم والجدال من غير أن يعرجوا على العمل بما علموا ويستدل أحدهم بما ورد في فضل العلم وينسى الأحاديث التي جاءت في ذم من لم يعمل بعلمه جملة واحدة ، وهذا كله غش النفس ، وفي القرآن العظيم : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ( 109 ) [ النساء : 109 ] . فاسلك يا أخي على يد شيخ يخرجك من هذه الرعونات والظلمات والدعاوى وتصير تبكي على تفريطك في الأعمال حتى يصير لك خطان أسودان في وجهك من سيلان الدموع وإن لم تسلك كما ذكرنا فيطول تعبك في الآخرة ، يا خسارة تعبك في تحصيلك للدنيا . وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول في معنى حديث : « إنّ اللّه ليؤيّدنّ هذا الدّين بالرّجل الفاجر » . معناه أن الناس ينتفعون بعلم الفاجر وتعليمه وإفتائه وتدريسه حتى يكون في الصورة كالعلماء العاملين ، ثم يدخله اللّه بعد ذلك النار لعدم إخلاصه كما مر قريبا ، نسأل اللّه اللطف فاعلم ذلك واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدّين » زاد في رواية : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . وروى البزار والطبراني مرفوعا : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقّهه في الدّين وألهمه