عبد الوهاب الشعراني
188
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يردون ذلك على الرسل أو يقبلونه ، لكن بعد تحريفه بالتأويل عن مواضعه ، فيفوتهم الإيمان الكامل كما يقع فيه غالب الناس فيخافون أن يكذبوا الرسل فتضرب أعناقهم ، ويخافون أن يقبلوا آيات الصفات على ظاهرها فيقعون في التشبيه ؛ فلذلك رأوا التأويل أحسن عندهم لأنه طريق وسطي بين طريقين ، وإنما قلنا فاتهم كمال الإيمان دون فوات الإيمان كله ، لأنهم لولا آمنوا به ما اشتغلوا بتأويله ولكانوا يرونه لغيرهم . فاعمل يا أخي بأوامر الحق على الوجه المشروع سواء أعقلت معناها أم لم تعقل ، وسيأتي في الأحاديث ما يشير إلى الحكمة . وذكر الشيخ محيي الدين في باب الحج من « الفتوحات » ما نصه : إنما كان حصى الرمي سبعا لأن الشيطان يأتي الرامي هناك بسبع خواطر لا بد من ذلك فيرمي كل خاطر بحصاة ، ومعنى التكبير عند كل حصاة اللّه أكبر من هذه النسبة التي أتانا بها الشيطان وأطال في ذلك ثم قال : فإذا أتاك بخاطر الشبهة بالإمكان للذات ، فارمه بحصاة الافتقار إلى المرجح ، وهو أنه واجب الوجود لنفسه . وإن أتاك بأنه جوهر فارمه بالحصاة الثانية ، وهو دليل الافتقار إلى التحير والوجود بالغير . وإن أتاك بخاطر الجسمية فارمه بحصاة الافتقار إلى الأداة والتركيب والأبعاض . وإن أتاك بالعرضية فارمه بحصاة الافتقار إلى المحل والحدوث بعد أن لم يكن . وإن أتاك بالعلية وهي دليل مساواة المعلول له في الوجود فارمه بالحصاة الخامسة وهي : « كان اللّه ولا شيء معه » . وإن أتاك بالطبيعة فارمه بالحصاة السادسة وهي دليل نسبة الكثرة إليه ، وافتقار كل واحد من آحاد الطبيعة إلى الأمر الآخر في الاجتماع به إلى إيجاد الأجسام الطبيعية ، فإن الطبيعة مجموع فاعلين ومفعولين حرارة وبرودة ؛ ورطوبة ويبوسة ، ولا يصح اجتماعها لذاتها ولا افتراقها لذاتها ولا وجود لها إلا في عين الحار والبارد والرطب واليابس . وإن أتاك بالعدم وقال لك فإذا لم يكن الحق هذا ولا هذا من جميع ما تقدم فما ثمّ شيء ، فارمه بالحصاة السابعة وهي دليل آثاره في الممكن ، ومعلوم أن العدم لا تأثير له ، وهو كلام نفيس . فاعمل يا أخي برياضة نفسك على يد شيخ مرشد حتى تصير تحس هذه الخواطر الشيطانية وترى وتنظر وتسمع من أتاك بها فترميه على الكشف واليقين ، وإلا فارمها على