عبد الوهاب الشعراني
185
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
« إذا كان يوم عرفة قال اللّه تعالى لملائكته : أشهدكم أنّي قد غفرت لهم فتقول الملائكة : إنّ فيهم فلانا مرهقا ، وفلانا كذا ، فيقول اللّه عزّ وجلّ قد غفرت لهم » . والمرهق : هو الذي يغشى المحارم ويفعل المفاسد . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » والبيهقي مرفوعا : « من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة غفر له من عرفة إلى عرفة » . قلت : فهذا سبب قولي : أول العهد أن نستعد للوقوف بالجوع ، فإن العبد إذا جاع ثلاثة ، شبعث جوارحه وانكفت عن المحارم ، بخلاف ما إذا شبع : وفي هذا الحديث تأييد لما قدمناه من أن كل طاعة إذا سلمت من الآفات حفظ صاحبها من المعاصي إلى مثلها ، وتقدم بسطه في عهد صوم رمضان فراجعه ، واللّه تعالى أعلم . وروى البيهقي وقال : ليس في إسناده من نسب إلى وضع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من مسلم وقف عشيّة عرفة بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه ثمّ يقول : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير مائة مرّة ، ثمّ يقرأ قل هو اللّه أحد مائة مرّة ، ثمّ يقول : اللّهمّ صلّ على محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد وعلينا معهم مائة مرّة ، إلا قال اللّه تعالى يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا ، سبّحني وهلّلني وكبّرني وعظّمني وعرّفني وأثنى عليّ وصلّى على نبيّي ؟ اشهدوا يا ملائكتي أنّي قد غفرت له وشفّعته في نفسه ولو سألني عبدي هذا شفّعته في أهل الموقف » واللّه تعالى أعلم . [ الإتيان بالمناسك كلها كما وردت : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نأتي بالمناسك كلها كما وردت ، فنقدم ما قدم صلى اللّه عليه وسلم ونؤخر ما أخر ؛ ولو خيرنا صلى اللّه عليه وسلم اخترنا الكيفية التي فعلها هو في حجة الوداع ، وهي معروفة عندنا في كتب الأدلة ، سواء عقلنا الحكمة في التقديم أم لم نعقلها . فلا يقال لأي شيء إذا دخل الحجاج مكة طافوا بالبيت ثم يخرجون إلى عرفات التي هي طرف الحرم ثم يرجعون ثانيا ، لأنا نقول إنما نفعل ذلك اقتداء بأبينا آدم عليه السلام لما حج من الهند ، فكان اقتداؤنا به في الخروج من الحرم إلى خارجه ثم دخولنا ثانيا أولى ، مع أن العقل ، يقتضي بأن من وصل إلى حضرة الملك من أي طريق كان ، لا معنى لخروجه ، ثم دخوله ثانيا ، لأن الكعبة هي المقصود الأعظم ، مع أنا لم نعقل ذلك إلا بأمر الشارع لا بعقولنا ، فحكمنا حكم ما إذا كان في حضرة الملك جماعة ثم أرسل لهم الملك أن اخرجوا إلى حاجة كذا وكذا ، فإن من الأدب ذهابهم إلى تلك الحاجة ، فلو تخلفوا في الحضرة عصوا . وأيضا فإن من يأتي حضرات الملوك من غير طرقها المعتادة لا يحصل له من العلم ما يحصل لمن سلك الطريق التي دخل منها الأنبياء والأولياء .