عبد الوهاب الشعراني

186

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ولكن لا يخفى أن من رحمة اللّه تعالى وشفقته على عباده أنه أذن لهم أن يدخلوا مكة قبل الوقوف لما علم عندهم من شدة الشوق ليحصل لهم التبريد لبعض أشواقهم ، لا من كلها ، إذ الحق تعالى لا يبدي لهم ما يطيقونه من عظمته ويخلع لهم الخلع إلا أن وقفوا بعرفة أولا ثم بالمزدلفة ثانيا ثم بمنى ثالثا ؛ فلا يزال العبد يقرب من مكة وهو يزداد تعظيما للّه تعالى حتى يدخل مكة والحرم ، فهناك يعرف كل أحد ربه بقدر مقامه ، فربما يكون أعلى مقام لنا في التعظيم يستغفر منه قوم آخرون . وممن حجب عما قلنا للشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه وسع اطلاعه ، فقال الذي أقول به إنه لا يجب على المعتمر الخروج لأدنى الحل ليحرم بالعمرة ، لأنه قد وصل إلى الحضرة التي هي محل القرب ولا معنى للخروج . قال : وأما قصة عائشة رضي اللّه عنها فإنما أمرت بالخروج لأنها كانت آفاقية ثم نفست فأمرت بالقضاء على صورة ما فاتها ا ه ، والجمهور على خلافه . فدر يا أخي مع السنة ولا تدر مع كشفك أو عقلك ، فإن اللّه تعالى إنما جعل الأجر والثواب والدرجات لمن كانت أعماله تبعا لما شرعه تعالى ، وكأن لسان حال الشارع يقول : من لم يأت من الأمة إلى حضرتي من تلك الطريق البعيدة طردته ولم أمكنه من شهودي . وتأمل يا أخي شأن الحق تعالى تجده أقرب إلينا من حبل الوريد ، ومع ذلك أسدل الحجاب بيننا وبينه ، حتى أننا رأيناه من حيث التنزيه أبعد من كل شيء ، فلما صرنا كذلك أمرنا بالسلوك ثانيا ، كالذي كان في مكان بعيد ثم رجع إلى محل القرب الذي كان مقيما فيه أولا ، فلا نزال سالكين والحجب ترفع حتى نعود إلى محل بروزنا من حضرة القرب ، فلو طلبنا أن ندخل حضرة القرب من غير سلوك لم يصح لنا ذلك . وإيضاح ذلك أن تنظر يا أخي في حضرة الحق تعالى قبل أن يخلق المخلوقات كلها ، فتجد ليس هناك إلا اللّه تعالى ثم أنت ، ولا تقول بفناء الشاهد ، لأننا إذا نفينا أنفسنا فمن هناك يشهد الحضرة أو يتعقلها فافهم ، فلا يزال الحق تعالى كلما خلق واحدا أخذ الواحد مكانا في شهودك وبعد الحق في وهمك ، إذ لا حلول ولا اتحاد فلا تزال دائرة الخلق تتسع في الشهود وتنبسط بتكثر أفراد الوجود شيء بعد شيء ودائرة الحق تعالى تضيق في شهودك حتى لا تكاد ترى الحق تعالى أبدا ، لأنك إنما تشاهد خلقا ، حتى أن بعضهم لما اتسعت عليه الدائرة عطل فخسر الدارين ، فإنه ما زال يشهد دائرة الخلق تتسع وكل شيء وقف عقله عليه من جبل أو بحر أو فضاء ، يقول له نور الإيمان فما وراء ذلك ، فإذا قال سماء أو بحرا أو جبلا أو فضاء قال له : فما وراء ذلك ؟ فلما تاهت عقول المنزهين للّه تعالى هذا التوهان أوجب اللّه تعالى عليهم السلوك بأعمال مخصوصة