عبد الوهاب الشعراني
180
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وسمعته مرة يقول : للّه تعالى رجال إذا مروا على جماعة من العصاة فسلموا عليهم أمنهم اللّه من عذابه ، وللّه رجال أقامهم في قضاء حوائج الناس فيقضون حوائجهم في السر ثم يرسلونهم إلى من اشتهر بالصلاح في بلدهم لتقضى حاجتهم ظاهرا لا باطنا ، ويسترون بذلك نفوسهم ويكبرون بغيرهم ممن لا سر له ولا برهان ، ثم يسألون اللّه أن يحميه من الدعوى ، وللّه رجال يسقون الناس الماء في الأسواق وعلى الأسبلة التي على الطرقات ، فلا يشرب أحد منهم إلا ويملأونه مددا ، فيقوم ذلك مقام الأخذ للطريق ، وللّه رجال نصبهم لتحمل البلايا والمحن عن أهل بلدهم أو إقليمهم ، ومع ذلك فهم يبغضونهم وينكرون عليهم ليلا ونهارا فلا يصدهم الإنكار عن تحملهم البلايا عنهم ، فيبيت الولي منهم سهرانا بالضارب تنام الإنس والجن وهو لا ينام والناس يضحكون ويلعبون ويتلذذون بالنساء على الفرش لا يحسون بشيء مما تحملوه عنهم مما كان نازلا عليهم وللّه رجال يسألون اللّه تعالى أن يكبر جثتهم في النار لأجل تحقيق الوعد من اللّه بملئها فيحملون عن آلاف من العصاة حرقهم بالنار ، وهذه فتوة ما سمعنا بمثلها إلا عن الشبلي رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه كان يقول : أتمنى على اللّه تعالى أن يكبر جثتي في الآخرة حتى يملأ بها طباق النار كلها ولا يدخل أحد من هذه الأمة النار محبة في نبيها محمد صلى اللّه عليه وسلم ا ه . وسمعته مرة أخرى يقول : إياكم أن تزدروا أحدا من أصحاب الحرف الدنيئة ، كالقراد والمخبط والشوذب ، فإن اللّه تعالى ربما أعطاهم القوة على سلب إيمان العلماء والصالحين حال رؤية العالم أو الصالح نفسه عليهم ، فإن أكبر الأولياء يقدر على سلبه أصغر الناس إذا رأى نفسه على أحد من الخلق . كما حكى عن سيدي محمد بن هارون الذي كان أخبر بسيدي إبراهيم الدسوقي وهو في ظهر أبيه ، إنه كان إذا خرج من صلاة الجمعة يشيعه الناس إلى داره ، لا يكاد أحد منهم يقدر على التخلف عنه اغتناما لرؤيته ولحظه ، فمر يوما على صبي تحت حائط يفلي ثوبه من القمل وهو ماد رجليه لم يضمهما ، فقال سيدي محمد في سره هذا الصبي قليل الأدب ، يمر عليه مثلي ولا يضم رجليه ، فسلب لوقته ، وتفرقت عنه الناس ، فما وصل داره ومعه أحد ، فتنبه لنفسه ورجع للصبي يستغفر في حقه ، فلم يجده فسأل عنه أين ذهب ؟ فقالوا له : هذا صبي القراد ولعله ذهب إلى الإسكندرية ، فسافر الشيخ إليه فلم يجده فقالوا له : لعله سافر إلى المحلة الكبرى ، فرجع إلى المحلة فلم يجده ، فقالوا لعله سافر إلى مصر فرجع الشيخ إلى مصر فوجده في الرميلة فلما وقف على الحلقة ، قال القراد الكبير للصبي ، أقم وجهك هذا زبونك جاء فتلاهى عن الشيخ حتى فرغ من اللعب ثم دعاه ، وقال : مثلك في العلم والصلاح والشهرة ينبغي له أن يخطر في باله أنه خير من أحد من خلق اللّه عز وجل ، أما تعلم أن ذلك ذنب إبليس الذي طرد لأجله عن حضرة اللّه عز وجل ، فقال : التوبة فقال وكلنا نتوب عن مثل ذلك ، ثم قال المعلم للصبي