عبد الوهاب الشعراني

161

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ الترغيب في إحياء ليلتي العيد : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نحيي ليلتي العيدين بالصلاة ذات الركوع والسجود لأن إحياءهما بذلك هو المتبادر إلى الأفهام ، ويدل عليه عمل السلف الصالح كلهم بذلك ، وإن كان الإحياء يحصل بفعل كل خير من قراءة وتسبيح وغير ذلك كالصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال سيدي علي الخواص : ويجب أن يستعد لقيام كل ليلة أراد العبد قيامها بالجوع سواء ليلة العيدين أو الجمعة أو ليلة النصف من شعبان أو غير ذلك ، كالثلث الأخير من الليل إذا كان يقومه فإن من شبع قل مدده ا ه . وسمعته رضي اللّه عنه يقول : الحكمة في إحياء ليلتي العيدين ، أنه يعقبهما يوم لهو ولعب ، فيكون نور العبادة في هاتين الليلتين منبسطا على العبد ، ويمتد إلى النهار فيمسك فرح العبد من غير أن يرخي عنانه بالكلية في ميدان الغفلة والسهو ، بخلاف من بات نائما إلى الصباح ، أو غافلا عن ربه ، فإنه يصبح مطلق العنان في الغفلات . فانظر ما أحكم أوامر الشارع وما أشفقه على دين أمته . فإذا علمت ذلك فكلف نفسك يا أخي في إحياء هاتين الليلتين ولو لم يكن لك بذلك عادة ، ولا تتعلل بأن السهر يشق عليك ، فإننا نراك تسهر في ليالي الأعراس كذا وكذا ليلة وربما كان ذلك من غير نية صالحة ولا امتثال لأمر الشارع ، فامتثال ما أمرك به أولى . وقد قلت مرة لشخص من أبناء الدنيا تعال اسهر معنا هذه الليلة وكانت ليلة العيد الأصغر ، فتعلل بأن السهر يضره ، فقلت له باللّه عليك اصدقني إذا أردت أن تفتح مطلبا وأبطأ عليك البخور الذي تطلقه من العشاء إلى الفجر هل كنت تسهر إلى الصباح تترقب مجيئه ؟ فقال : نعم ، فقلت له : فإذا أبطأ من بعد الفجر إلى المغرب هل كنت تترقبه ولا تنام ؟ فقال : نعم ، فدرجته إلى تسعة أيام وهو يجد من نفسه أنه يقدر على السهر من غير وضع جنبه إلى الأرض ، فقلت له في اليوم العاشر فقال : لا أقدر ، فقلت له : يا أخي فإذا أنت تؤثر الدنيا على الآخرة ؟ فقال : نعم ، ولو كنت أحب الآخرة لكان الأمر بالعكس . فقلت له : فإذن يجب عليك انخاذ شيخ يخرجك من محبة الدنيا وشهواتها حتى تنقلب تلك الداعية التي كانت عندك في فتح المطلب إلى محبة الأجر الأخروي وتصير تحس بنفسك أنك تقدر تسهر في الخير تسعة أيام بلياليها من قوة الداعية ، كما هو شأن أهل اللّه على الدوام ، وذلك أنهم كانوا إذا دعوا للسهر في الخير أجابوا وإذا دعوا للسهر في التفرج على المخبطين لا يجدون لهم داعية وذلك لاعتناء الحق تعالى بهم وراثة محمدية ، كما ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم عزم ليلة وهو شاب أن يسهر مع فتيان مكة في لهو فأخذ اللّه بروحه إلى الصباح ، فلم يستيقظ حتى أحرقه حر الشمس . فاسلك يا أخي على يد شيخ حتى لا تصير تجد ثقلا من العبادة ، وبمجرد ما يأتي