عبد الوهاب الشعراني
140
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وإنما استحب بعض العلماء صومها متوالية غير متفرقة في الشهر لأن التوالي أقرب في جلاء الباطن من المتفرق ولذلك سن الأشياخ الخلوة على التوالي من ثلاثة أيام إلى أربعين يوما إلى أكثر من ذلك حسب القسمة الإلهية لتتوالى جمعية قلوبهم بالحق تعالى ، كما يشهد لذلك حديث البخاري وغيره في تحنثه صلى اللّه عليه وسلم قبل النبوة بغار حراء . ومن هنا أمر الأشياخ مريديهم في حال الخلوة بالجوع وترك اللغو وتوالي الذكر وعدم النوم ، وذلك لتتراكم الأنوار وتتقوى فينهزم جيش الشياطين ، ويكون حزب اللّه هم الغالبون . وإيضاح ذلك أنه إذا تخلل الخلوة غفلة أو شبع أو لغو أو نوم فإن الظلمة تغلب على تلك الأنوار المتفرقة لكون الظلمة هي الأصل ، إذ الطين هو الغالب في نشأة البشر على النور ، فما لم يكن عسكر النور أقوى لم يخرج الإنسان عن الظلمة والكثافة ، فقد بان لك حكمة صوم الستة أيام المذكورة ، وحكمة صومها على التوالي واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيره مرفوعا : « من صام رمضان ثمّ أتبعه ستّا من شوّال كان كصيام الدّهر » . وزاد الطبراني : « فقال أبو أيّوب كلّ يوم بعشرة يا رسول اللّه ؟ فقال : نعم » قال الحافظ المنذري ورواة الطبراني رواة الصحيح . وفي رواية لابن ماجة والنسائي مرفوعا : « من صام ستّة أيّام بعد الفطر كان كصيام السّنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها » . وفي رواية للنسائي مرفوعا : « فشهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستّة بشهرين ، فذلك صيام سنة » . وفي رواية للطبراني مرفوعا قال الحافظ المنذري في « إسناده » نظر : « من صام ستّة أيّام بعد الفطر متتابعة فكأنّما صام السّنة كلّها » . وفي رواية له أيضا مرفوعا : « من صام رمضان وأتبعه ستّا من شوّال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في صوم يوم عرفة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصوم يوم عرفة ولا نترك صومه إلا لعذر شرعي ، كأن نكون بعرفات أو بنا مرض يشق معه الصوم ونحو ذلك . والحكمة في كراهة صومه للحاج أنه يوم تحط فيه الخطايا فيتأثر البدن ويضعف لقهره مع كمال تعشقه لجميع أهويته المكروهة ، لأنها لا تخرج إلا بجذب من البدن كدم الحجامة ، فيحصل للبدن فتور وانحلال فلا يضاف إليه الجوع المقوي للانحلال ، فكما يكره للصائم الحجامة