عبد الوهاب الشعراني
141
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
كذلك يكره لمن وقف بعرفة الصوم وهذا من رحمة اللّه تعالى بعباده لأن النهي عن صومه للحاج إنما هو نهي شفقة عليه فمن خالف وصام وأظهر القوة فلا بد من إخلاله بالأعمال من وجه آخر كما جرب ، هذا ما ظهر لي من الحكمة في هذا الوقت وهنا أسرار يعرفها أهل اللّه لا تسطر في كتاب . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى مسلم واللفظ له وأبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي مرفوعا : « صوم يوم عرفة يكفّر السّنة الماضية والباقية » . وفي رواية للترمذي مرفوعا : « صيام يوم عرفة إنّي أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي بعده والسّنة الّتي قبله » . وفي رواية لابن ماجة مرفوعا : « من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده » . زاد في رواية الطبراني بإسناد حسن : « ومن صام يوم عاشوراء غفر له ذنوب سنة » . وروى الطبراني بإسناد حسن والبيهقي عن مسروق ، أنه دخل على عائشة رضي اللّه عنها في يوم عرفة فقال اسقوني ، فقالت عائشة يا غلام اسقه عسلا ، ثم قالت : وما أنت يا مسروق بصائم ؟ قال لأني أخاف أن يكون يوم الأضحى ، فقالت عائشة ليس ذاك إنما عرفة يوم يعرف الإمام ، ويوم النحر يوم ينحر الإمام ، أو ما سمعت يا مسروق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعدله بألف يوم ؟ قلت : والألف يوم أكثر من سنتين . وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة في « صحيحه » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة . وكان ابن عمر يقول : لم يصم النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم عرفة بعرفة ، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وأنا لا أصومه ، وكان مالك والثوري يختاران الفطر ، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة . وروي ذلك عن عثمان بن أبي العاص ، وكان إسحاق يميل إلى الصوم ، وكان عطاء يقول أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف ، وكان قتادة يقول لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء . وقال الإمام الشافعي : يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج ، فأما الحاج فالأحب إليه أنه يفطر ليقويه على الدعاء . وقال الإمام أحمد بن حنبل إن قدر على أن يصوم صام وإن أفطر فذلك يوم محتاج فيه إلى القوة واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في صوم يوم عاشوراء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصوم يوم عاشوراء ونوسع فيه على عيالنا بالطعام والكسوة وغير ذلك من كل ما هم محتاجون إليه ، لكن بشرط أن يكون ذلك من وجه حل لا اعتراض للشريعة عليه فلا يؤمر من لم يجد المال الحلال أن يوسع على نفسه فضلا عن غيره ، فيكون للآكل المهنأة وعليه هو الإثم ، وقد أصبح عيال الفضيل بن عياض يوما وليس عندهم شيء يأكلونه فأرسل إليه الخليفة بخمسمائة دينار فردها ، فقال له العيال لو كنت أخذت منها نفقة يومنا ، فقال : ما مثلي ومثلكم إلا كبقرة شردت من أهلها