عبد الوهاب الشعراني

14

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

القياس توقفنا عن العمل به ، ثم ننظر فإن كان ذلك الأمر قد استحسنه بعض العلماء استأذنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ثم فعلناه أدبا مع ذلك العالم ، وذلك كله خوف الابتداع في الشريعة المطهرة فنكون من جملة الأئمة المضلين ، وقد شاورته صلى اللّه عليه وسلم في قول بعضهم : إنه ينبغي أن يقول المصلي في سجود السهو : سبحان من لا ينام ولا يسهو ، فقال صلى اللّه عليه وسلم هو حسن ، ثم لا يخفى أن الاستئذان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكون بحسب المقام الذي فيه العبد حال إرادته الفعل ، فإن كان من أهل الاجتماع به صلى اللّه عليه وسلم يقظة ومشافهة كما هو مقام أهل الكشف استأذنه كذلك وإلا استأذنه بالقلب وانتظر ما يحدثه اللّه تعالى في قلبه من استحسان الفعل أو الترك . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : ليس مراد الأكابر من حثهم على العمل على موافقة الكتاب والسنة إلا مجالسة اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الأمر لا غير فإنهم يعلمون أن الحق تعالى لا يجالسهم إلا في عمل شرعه هو ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أما ما ابتدع فلا يجالسهم الحق تعالى ولا رسوله صلى اللّه عليه وسلم فيه أبدا وإنما يجالسون فيه من ابتدعه من عالم أو جاهل ، فعلم أنه ليس قصد أهل اللّه تعالى بعبادتهم حصول ثواب ولا غيره في الآخرة ، لأنهم في الدارين عبيد والعبد لا يملك شيئا مع سيده في الدنيا والآخرة إنما يأكل ويلبس ويتمتع بمال سيده وسداه ولحمته من نعمته ، ولو أن الحق تعالى أعطاه شيئا لوجب عليه التبري منه إلى ربه ، ولا يجوز له أن يشهد ملكه له طرفة عين ، فلهذا المشهد خرجوا في جميع عباداتهم عن العلل النفسانية فرضوا عن ربهم رضا مطلقا ورضي عنهم رضا مطلقا : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) [ الجمعة : 4 ] ا ه . واعلم يا أخي أن من تحقق بالعمل بهذا العهد صار من رؤوس أهل السنة والجماعة في عصره ؛ ومن لم يلقبه بذلك فقد ظلمه ، ولا أعلم الآن أحدا في مصر تحقق بالعمل بهذا العهد وتقيد في أقواله وأفعاله وعقائده بالكتاب والسنة إلا بعض أفراد من العلماء ، كالشيخ عبد الرحمن التاجوري المغربي وأضرابه رضي اللّه عنهم أجمعين . قلت : وقد منّ اللّه تعالى علي بالعمل به في بعض أقوالي وأفعالي ، فكذب واللّه وافترى من نسبني إلى البدعة المخالفة لجمهور أهل السنة والجماعة ، فإن هذا ما هو نفس مبتدع ، اللهم إلا أن يريد الابتداع في شيء من المباحات في الشريعة بحكم العمومات فهذا لا يحرّج عليه في ذلك ، لأن هذا الأمر قل من سلم منه من العلماء فضلا عن غيرهم كما هو مشاهد ، فاعلم ذلك واحم سمعك وبصرك في حق العلماء ، ولا تصغ إلى قول حاسد لهم قط إلا إن اجتمعت بأحدهم وفاوضته في الكلام في تلك البدعة ، فإذا رأيته متخلقا بها وعرفته بأنها بدعة وصمم على العمل بها فهناك حذر الناس منه شفقة عليه وعلى المسلمين ، حتى لا يقع أحد منهم في إثم لا المبتدع ولا من تبعه . وإياك أن تحذر من اتباع أحد من العلماء بقول أحد من حسادهم من غير اجتماع به فربما يكون بريئا مما