عبد الوهاب الشعراني
130
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ثم قلت له : أين قولك في الخطبة كل جمعة : واللّه ثم واللّه لا يعطي ويمنع ويضع ويرفع إلا اللّه ؟ فقال قطعتني بالحجة ، ولو أن هذا سلك الطريق وبنى أمره على التوحيد الكامل ما توقف في ذلك ولا احتاج إلى مجاهد ولا عادى أحدا عارضه في طريق وصوله إلى رزقه ، بل كان يرى كل شيء عورض فيه أن اللّه تعالى لم يقسمه له فلا يتعب نفسه . فاعلم ذلك واسلك طريق القوم إن أردت العمل بهذا العهد على وجه الكمال لتكون من أهل السنة والجماعة ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . واعلم أن كفران النعم للوسائط مما يحولها ، وإدا حولت فلا يقدر من كفرت نعمته أن تجري لك نعمة على يديه : سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [ غافر : 85 ] . لأن كفران النعمة يقطع طريقها ، فبتقدير أن من كفرت نعمته لا يؤاخذك ، فأنت لا تستحق تلك النعمة فلا بد من وجود صفة الاستحقاق في المنعم عليه ، وعدم كفرانه نعمة من كان واسطة فيها من زوج ووالد وسيد ونحوهم ، وقد كثر كفران النعم في هذا الزمان من الزوجة والأولاد والأرقاء والمريدين ، وبذلك تعسرت عليهم الأرزاق ، وكلما تأخر الزمان زاد على الناس الأمر في تعسير الأرزاق وفي تحويلها عنهم بالكلية ، لقلة الشكر بالعمل من قيام الليل وغيره حتى تتورم منهم الأقدام ، فإن الشكر بالقول ما بقي يكفي لغالب النعم في هذا الزمان لكون الموازين قد أقيمت فيه على الناس لقرب الساعة ، وما قارب الشيء أعطى حكمه ولقلة الإخلاص في القول ، وقد قال تعالى في حق آل داود : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] . ولم يقل قولوا آل داود شكرا ، وهذه الأمة المحمدية أولى بأن يشكروا بالعمل لأنهم أعظم نعمة بنبيهم وشريعتهم ، فليتنبه من كان غافلا عن ذلك ليدوم الماء في مجاريه . وقد كان الشيخ عصيفير المجذوب المدفون بخط بين السورين بمصر ، كلما رأى حوضا مملوءا للبهائم يفتح بالوعته فيسيح على الأرض ويقول للذي يملؤه أنت أعمى القلب ، فإن أهل هذا الزمان صاروا لا يستحقون رحمة ولا نعمة لكثرة عصيانهم ومخالفتهم ، فقال يا سيدي : إنما هذا للبهائم فقال إنها تحملهم إلى مواضع المعاصي ا ه . فكان يتكلم على لسان أحوال الزمان بلسان الحقيقة دون لسان الشريعة لكونه مجذوبا ، وكان مراده بما قاله تنبيه الناس إلى المشي على طريق الاستقامة لتدوم عليهم النعم ، وإلا فالخلق لا يستحقون على اللّه تعالى شيئا مطلقا ، وإنما جميع نعمه عليهم من باب الفضل والمنّة ، واللّه تعالى أعلم . وروى أبو داود والنسائي واللفظ له وابن حبان في « صحيحه » والحاكم وقال صحيح على شرطهما مرفوعا : « من استعاذ باللّه فأعيذوه ، ومن سألكم باللّه فأعطوه ، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لّم تجدوا فادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه » .