عبد الوهاب الشعراني

129

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ الحث على شكر من أسدى إلينا معروفا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نشكر كل من أسدى إلينا معروفا ونكافئه على ذلك ولو بالدعاء أدبا مع الشارع في أمره لنا بذلك ، وقد كثرت الخيانة لهذا العهد من غالب الناس ، حتى صرت تربي اليتيم إلى أن يصير له أولاد ولا يتذكر لك نعمة ولا يحفظ معك أدبا ، وصار من وقع له ذلك يحذر من يريد يفعل مثله مع الناس ، فبتقدير أن المنعم من أولياء اللّه تعالى لا يلتفت إلى شكره ، فالمنعم عليه لا يستحق ذلك كما سيأتي ، والكمل على الأخلاق الإلهية ، واللّه عزّ وجلّ يحول النعم حين تكفر . فاشكر يا أخي من أسدى إليك معروفا لكن من غير وقوف معه ، فتراه كالقناة الجاري لنا منها الماء أو كالأجير الذي يغرف لنا من طعام رجل غيره بأجرة جعلها له . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ مرشد حتى يصل به إلى حضرة الإحسان ويرى الأمور كلها للّه تعالى كشفا وشهودا ، ويصير يرى النعم من اللّه تعالى ببادىء الرأي ولا يضيفها إلى الخلق إلا بعد تأمل وتفكر ، عكس من لم يسلك الطريق ، فإنه لا يكاد يشهد النعمة من اللّه تعالى إلا بعد تفكر وتأمل . فاسلك يا أخي الطريق لتفوز بالأدب مع اللّه تعالى ومع خلقه كما أمرك ، فقال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] . وقد قرن اللّه تعالى السعادة بشهود الأمور كلها من اللّه ، وقرن الشر بشهودها من الخلق ، ومقام الكمال في السعادة شهود الأمور كلها ببادىء الرأي من اللّه خلقا وإيجادا ، ومن العبد نسبة وإسنادا لأجل إقامة الحدود وكأن لسان الحق تعالى يقول : من قتل نفسا بغير حق فاقتلوه ، ولو شهدتم أني قدرت عليه ذلك أو أني أنا الفاعل ، كما قال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] . فلا يسعنا إلا امتثال الأمر ، وكذلك الحكم في الزنا وشرب الخمر ونحوهما ، فكأنه قال تعالى : من ظهر من جوارحه كذا فافعلوا به كذا ، فنقول سمعا وطاعة ، وأكثر الناس عمي عن تحقيق هذه المسألة فإما يضيفونها إلى اللّه تعالى فقط أو إلى الخلق فقط ، لكن من يضيفها إلى اللّه وحده أكبر أدبا ممن يضيفها إلى الخلق وحدهم غافلا عن اللّه تعالى . وقد رأيت شخصا من خطباء الجامع الأزهر رسم له السلطان سليم بن عثمان مائة دينار لما صلى الجمعة في الجامع الأزهر وكانت نوبته تلك الجمعة ، فجاءه رفيقه ومنعه عن الخطبة ذلك اليوم لأجل المائة دينار ، فصار الخطيب الممنوع يحط على المانع وصرت أقول له : إن اللّه تعالى لم يقسم لك شيئا ، فيقول : هذا قد تسبب في قطع رزقي ، فقلت له : ولو تسبب فليس هو بقاطع إنما هو آلة للقدرة الإلهية والحكم لمن حرّك الآلة ، فحكمك حكم من ضرب بعصا فصار يسب العصا ، أو غرف له طعام بمغرفة فصار يمدح المغرفة ويشكرها بين الناس وينسى الفاعل بتلك الآلة ، فهذا حكمه على حد سواء عند أهل التحقيق ، ولا يخفى ما في ذلك من قلة العقل .