عبد الوهاب الشعراني
121
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « ما من يوم يصبح العباد إلّا وملكان ينزلان من السّماء فيقول أحدهما : اللّهمّ أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللّهمّ أعط ممسكا تلفا » . ولفظ رواية ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ما من يوم يصبح العباد إلّا وملك بباب من أبواب الجنّة يقول : من يقرض اليوم يجد غدا ، وملك بباب آخر يقول : اللّهمّ أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا » وكذلك رواه الطبراني ، إلّا أنه قال : « بباب السّماء » . قلت : قال بعض المحققين : والمراد بقول الملك : « اللّهمّ أعط ممسكا تلفا » . أي إنفاقا في وجوه الخير لأن الملك من عالم الخير فلا يدعو بفساد ، كما يقال فلان أتلف نفسه وماله في مرضاة اللّه تعالى ، وأما على ما يتبادر إلى الأذهان فالمتلف لماله إنما عليه الإثم وهم لا يدعون بالإثم فافهم ، واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « قال اللّه عزّ وجلّ أنفق أنفق عليك » . وروى مسلم والترمذي مرفوعا : « ابن آدم إنّك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شرّ لك ولا تلام على كفاف » . والكفاف ما كف من الحاجة إلى الناس مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة ، والفضل ما زاد على قدر الحاجة . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « مثل البخيل والمتصدّق كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد اضطرّت أيديهما إلى تراقيهما فجعل المتصدّق كلّما تصدّق بصدقة انبسطت عنه حتّى تغشى أنامله وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلّما همّ بصدقة قلصت وأخذت كلّ حلقة بمكانها ، قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول بأصبعه هكذا في جنّته يوسّعها » . والجنة بضم الجيم والنون : كل ما وقى الإنسان ، وتضاف إلى ما يكون منفعة ، وقلصت : أي انجمعت وتشمرت وهو ضد استرخت وانبسطت . قال الحافظ المنذري : والمراد بالجنة هنا الدرع لأنه يجن المرء ويستره ، ومعنى الحديث : أن المنفق كلما أنفق طالت عليه وسبغت حتى تستر بنان رجليه ويديه ، والبخيل كلما أراد أن ينفق لزقت كل حلقة بمكانها فهو يوسعها ولا تتسع شبه صلى اللّه عليه وسلم نعمة اللّه ورزقه بالجنة . وفي رواية بالجبة بالباء الموحدة ، فالمنفق كلما أنفق اتسعت عليه النعم وسبغت ووفرت حتى تستره سترا كاملا شاملا ، والبخيل كلما أراد أن ينفق منعه الشح والحرص وخوف النقص ، فهو يمنعه طلبا للمزيد والسعة زيادة على ما عنده فلا تزيد النعم عليه ولا