عبد الوهاب الشعراني
117
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
المال يميلهم إليه به ، ومن لا حال له ولا مال لا ينفعه المقال ، وفي الحديث : « عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس ، وشرفه في قيام اللّيل » . وممن جاهد نفسه بالتجرد عن الدنيا زمانا طويلا ثم مسك الدنيا من أشياخ العصر وتاجر فيها الشيخ عبد الرحيم البيروتي والشيخ علي الكازروني نفعنا اللّه ببركاتهما ، فأساء الناس بهما الظن وأخرجوهما عن دائرة الفقراء ، والحال أنهما الآن أكمل مما كانا عليه في بدايتهما على ما قررناه آنفا . فإياك يا أخي وسوء الظن بأهل الطريق أو بمن لبس الزيق ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . ومن محك صدق من طلب الدنيا للّه تعالى طلبا للفوز بلذة خطابه أن لا يشح بشيء منها على محتاج إليه لأن من أحب شيئا وتلذذ به أحب تكراره ، ومتى تكدر من كثرة السائلين لما عنده فهو كاذب في دعواه أنه يحب الدنيا للالتذاذ بخطاب اللّه أو لنفع عباد اللّه فاعلم ذلك ، وخرج بقولنا أن لا يشح ما لو شح ومنع لحكمة شرعية فإن ذلك لا يقدح في صدقه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة : 74 ] . وروى الإمام أحمد والترمذي واللفظ له وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « من منح منحة لبن أو ورق أو أهدى رفاقا كان له مثل عتق رقبة » . ومعنى قوله منحة ورق : عنى به قرض الدرهم ، وقوله أو أهدى رفاقا : عنى به هداية الطريق وإرشاد السبيل . وروى الطبراني بإسناد حسن والبيهقي مرفوعا : « كلّ قرض صدقة » . وروى الطبراني وابن ماجة والبيهقي مرفوعا : « دخل رجل الجنّة فرأى على بابها مكتوبا الصّدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر » . قال بعضهم : وذلك أن الصدقة قد تقع في يد غني في الباطن والقرض لا يأخذه إلا محتاج . وروى مسلم وابن ماجة والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرّة إلّا كان له كصدقتها مرّتين » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في إنظار المعسر : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) إذا كان لنا دين على معسر أن ننظره ونضع عنه امتثالا لأمر الشارع صلى اللّه عليه وسلم وطلبا لمرضاته ، فإنه لا يأمرنا قط إلا بما فيه النفع لنا في الدنيا والآخرة ، لكن بشرط الإخلاص لنهيه صلى اللّه عليه وسلم عن الرياء والسمعة ، قربما سامح أحدنا المعسر ببعض ما عليه بحضرة الناس ليقال ، ولو أنه لم يعلم به إلا اللّه تعالى لربما كان يثقل عليه ولا ينشرح له صدره ، فليتنبه من يفعل المعروف لمثل ذلك ويفتش نفسه