عبد الوهاب الشعراني
116
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ومن أقرض اللّه تعالى من الخلق لا يطلب جزاء . واعلم يا أخي أن اللّه تعالى لم يأمر بالقرض إلا الأغنياء ، فهم الذين فازوا بلذة خطاب اللّه تعالى بقوله لهم : وَأَقْرَضُوا وأما الفقراء ففاتتهم تلك اللذة وذلك الأجر ، ومن هنا سارع الأكابر من الأولياء إلى التكسب بالتجارة والزراعة والحرفة ليفوزوا بلذة ذلك الخطاب لا لعلة أخرى من طلب ثواب أو غيره قال تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ [ النور : 37 ] . فوصفهم بالرجولية لأجل أكلهم من كسبهم وإقراضهم من فواضل كسبهم كل محتاج ، ومفهومه أن من لا كسب له والناس ينفقون عليه فهو من جنس النساء وإن كان له لحية كبيرة وسبحة وسجادة وعذبة ومرقعة وشفاعات عند الحكام وغير ذلك ، وليس له في الرجولية نصيب قال تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [ النساء : 34 ] . واعلم أن طلب التلذذ بخطاب اللّه تعالى كما ذكرنا محمود بالنسبة لمن هو تحته في المقام ، وإلا فللّه تعالى رجال يتوبون من التلذذ بخطاب اللّه تعالى إلا على وجه الشكر لا غير ، فإن من كان الباعث له التلذذ بخطاب اللّه تعالى فهو عبد لذته لا يكون عبد اللّه تعالى . وقد أخبرني أخي أفضل الدين رحمه اللّه أنه كان يقوم الليل مدة كذا وكذا سنة وهو لا يشعر به أحد ، قال : فكنت أظن بنفسي الإخلاص في ذلك ، فسمعت هاتفا يقول : إنما تقوم الليل للذة التي تجدها حال مناجاتك ، ولولا هي ما قمت للحق بواجب عبوديته ، قال : فاستغفرت اللّه تعالى وتجردت من تلك اللذة وعلمت أن تلك اللذة تجرح في إخلاصي فالحمد للّه رب العالمين . فعلم أنه لا يقدح في شيخ الزاوية أن يكون تاجرا ولا زارعا بل ذلك أكمل له . فإياك يا أخي أن تنكر على فقير الكسب بالتجارة والزراعة أو معاملة الناس أواخر عمره وتقول فلان كان من الصالحين أول عمره وقد ختم عمره بمحبة الدنيا وشهواتها ، بعد أن كان زاهدا فيها وفي أهلها ، فربما يكون مشهد ذلك الفقير ما قلناه أو غير ذلك من النيات الصالحة ، فإن زهد الكمل ليس هو بخلو اليدين من الدنيا وإنما هو بخلو القلب ، ولا يتحقق لهم كمال المقام إلا بزهدهم فيما بأيديهم وتحت تصريفهم من غير حائل يحول بينهم وبين كنزه . وأما زهدهم مع خلو اليد ، فربما يكون لعلة الفقر . وقد قالوا : من شرط الداعي إلى اللّه تعالى أن لا يكون متجردا عن الدنيا بالكلية ، بأن تخلو يده منها وذلك لأنه يحتاج ضرورة إلى سؤال الناس إما بالحال وإما بالمقال ، وإذا احتاج إلى الناس هان عليهم وقل نفعهم به بخلاف ما إذا كان ذا مال يعطي منه المحتاجين من مريديه وغيرهم ، فإن فقد الحال الذي يميل به قلوب المريدين إليه كان معه