عبد الوهاب الشعراني
82
تنبيه المغترين
والشرب قد منع قلوب الغافلين عن كل خير ، ولدرهم واحد يتصدق به العبد في حياته خير له من ألف دينار بعد موته . وكان المدايني رحمه اللّه تعالى يقول : توريث الأولاد الأدب خير لهم من توريث المال ، لأن الأدب يكسبهم المال والجاه والمحبة للإخوان ويجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة ، وأما المال فإنه يعدم سريعا ويصيرون لا دنيا ولا آخرة وقد جربنا المال الموروث غالبا فوجدناه لا خير فيه ولا بركة لكونه ليس بكسب الوارث ، وربما كان المورث بخيلا به على ورثته وغيرهم ، فاعلم يا أخي ذلك والحمد للّه رب العالمين . زيارة القبور ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : زيارتهم لقبور المسلمين كل قليل عملا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : [ زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ] وهذا الخلق قل من يعمل به الآن من الناس وإن وقع أنهم دخلوا تربة فليس في دخولهم اعتبار وإنما ذلك لأمر عادي كزيارتهم للميت في أول جمعة أو عند تمام الشهر خوفا من تغير خاطر أهل الميت مثلا ، لا سيما إن كان لهم عليه حق في زيارتهم ولده أو والده لما مات وهو غرض آخر أجنبي عما قلناه . وكان آخر من رأيته عاملا بهذا الخلق سيدي الشيخ محمد بن عنان كان رحمه اللّه تعالى يزور القرافة كل يوم جمعة فكان يزور من عرف من الأموات ومن لم يعرف ، وكان عندما يرى القبور يبكي ويقول : الذكر الوارد في ذلك ثم يقول ما منهم أحد إلا وهو يشتهي أن يصلي ركعتين أو يقول لا إله إلا اللّه ولو مرة واحدة فاستغنموا عمركم ، وكان يزيد الرقاشي رحمه اللّه تعالى إذا زار المقبرة يبكي ويقول ليت شعري بأي أعمالكم اغتبطتم واستبشرتم ثم يصرخ كما يصرخ الثور . وكان هشام الدستوائي رحمه اللّه تعالى إذا زار المقابر ورجع إلى داره يمكث أياما لا يستضيء بسراج ويقول أتذكر ظلمة القبر ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يزور قبور آبائه من بني أمية ويقول كأنكم يا آبائي لم تشاركوا أهل الدنيا في لذة ولا نعيم ، وكان يقول ما أحسن ظواهر هذه القبور وإنما الدواهي في بواطنها ، وقد رأى الحسن البصري رحمه اللّه تعالى رجلا يضحك في المقابر فقال له : أما يكفيك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يكره ذلك ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : إن الميت يفتن في قبره سبعة أيام ولذلك استحبوا التصدق عنه تلك المدة مساعدة له حتى يلقن حجته .