عبد الوهاب الشعراني

83

تنبيه المغترين

وكان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يقول : مررت على مقبرة فرأيت شخصا خارجا من قبر وهو يلتهب نارا من فرقه إلى قدمه ، فقال لي : يا عبد اللّه اسقني ماء ، فلا أدري أعرفني باسمي أم ناداني كما ينادي الرجل من لا يعرفه ، فأردت أن أسقيه فقال لي الموكل به : لا تسقه ، ولا زال يضربه بالسوط حتى رجع إلى قبره فانطبق عليه ، وكان عطاء السلمي رحمه اللّه تعالى كثيرا ما يخرج بعد العشاء إلى المقابر فلا يزال يناجيهم إلى الصباح ويرجع ، وكان يقول يا أهل المقابر متم فواموتاه وعاينتم أعمالكم فوا عملاه اه . وقد مر عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يوما على مقبرة ففرش رداءه وصلى ركعتين هناك فقيل له في ذلك فقال : ذكرت أهل القبور وقد حيل بينهم وبين العبادة فأحببت أن أتقرب إلى اللّه تعالى بركعتين بينهم ، وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : إن أعمالكم تعرض على موتاكم فتارة يسرون وتارة يحزنون ، وكان كثيرا ما يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا تخزي به أمواتي بين الأموات . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى إذا حضر دفن ميت يكاد يغشى عليه ويقول : واللّه إن أمرا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله ويخاف من آخره ، واعلم يا أخي أنه ليس من أخلاق القوم حفر قبورهم في حال حياتهم أدبا مع اللّه سبحانه وتعالى في قوله عز وجل : [ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ] « 1 » أي تدفن ، ولكن قد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى حفر قبره بدير سمعان هو وفتيانه فجعل يحفر والفتيان ينقلون التراب حتى فرغ من حفره فدفن فيه يوم السابع . وكذلك قد بلغنا عن رجلين من بني خولان أنهما حفرا قبريهما بباب القرافة بمصر ونقشا اسميهما على لوح رخام هناك وأنهما يشهدان أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وقد قرأته أيام سياحتي ولم يكن أحدهم يبني على قبره قبة ولا يعمل له مقصورة ولا يزخرف له حائطا ولا يجعل له في طبقات قبته قمرية ، خلاف ما حدث من بعض متصوفة زماننا وربما كان من مال بعض الظلمة ، فاحذر أيها الأخ الصالح من مثل ذلك فقد قالوا كم من ضريح يزار وصاحبه في النار ، وقد رأيت شيخا من مشايخ العجم باع كتبه وثيابه وأمتعة داره وعمل له قبة وتابوتا وسترا وشخاشيخ ونحو ذلك صرف عليه جملة كثيرة ثم كتب على بابها يقول :

--> ( 1 ) سورة لقمان : الآية 34 .